الصفحة 27 من 58

خلال استمراره على هيئتها، وذلك من خلال الاستقامة على الدين بفعل الأوامر، واجتناب النواهي واستعمال المروءة حتى ترسخ في الأذهان حاله.

تدعو صاحبها الاستقامة على الدين: والاستقامة على الدين تتمثل في فعل المأمورات من الفرائض والواجبات كالصلاة والصيام والزكاة ... وغيرها، وترك المنهيات، والتي هي بالنسبة للمسلم على نوعين: كبائر، وصغائر [1] .

(1) اختلف العلماء في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، فذهب جماهير السلف إلى أن من الذنوب كبائر ومنها صغائر، وشذت طائفة منهم الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني، فقال: ليس في الذنوب صغير بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونُقل ذلك عن ابن عباس. واحتج أصحاب هذا القول بأن كل مخالفة لله فهي بالنسبة إلى جلال الله كبيرة، وأن إطلاق لفظ الصغائر على بعض الذنوب إنما يراد بها أنها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القُبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا وكلها كبائر.

والصحيح هو ما ذهب إليه الجماهير من أن من الذنوب ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة وذلك مما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع متعددة، فمن كتاب الله قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32] . وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] . وقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] . وقوله عز من قائل: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] . وقوله: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 53] .

كما دلت السنة على ذلك ومن ذلك: الحديث الذي رواه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، ص 117، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ» ، وفي رواية أخرى: «وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» ، رقم الحديثين 550، 552. فتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر مما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، وأقوال علماء الأمة من السلف والخلف، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي: إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه، وقد فُهِمَا من مدارك الشرع. وهذا الذي قاله أبو حامد قد قاله غيره بمعناه، ولا شك أن المخالفة قبيحة جدًا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، ذلك أن منها ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم يوم عرفة، أو صوم يوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، ومنها ما لا يكفره ذلك كما ثبت في الصحيح: «مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ» ، فسمَّى الشرع ما تكفره الصلوات ونحوها صغائر، وما لا تكفره كبائر، وهذا لا يخرجها من كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها؛ لكونها أقل قبحًا، ولكونها متيسرة التكفير. وأما ما نُقِلَ عن حَبْرِ الأمةِ وترجمانِ القرآنِ والسنَّة عبدالله بن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما فقد استنكره القرطبي وقال: ما أظنه يصح؛ لأنه مخالفٌ لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر، ثم سرد الآيات التي تدل على ذلك، حيث إن الآيات جعلت في المنهيات صغائر وكبائر، وفرقت بينهما في الحكم؛ إذ جعلت تكفير السيئات مشروطة باجتناب الكبائر، واستثنت اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟! ويؤيد ما قاله القرطبي ما فسَّر به ابن عباس اللمم، فقد ورد عنه في تفسير اللمم: الذنب بين الحدين، وهو ما لم يأتِ عليه حد في الدنيا، ولا تُوعِّد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. وعلى هذا فالأولى أن يُحمل كلام ابن عباس أن كل ما نهى الله عنه كبير، على أن ما نهى الله عنه نهيًا خاصًا بحيث يكون مقترنًا بوعيد، والله أعلم. وينظر: النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2، ص 84، 85. أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 1412 هـ/1991 م، دار عالم الكتب: الرياض، ج 11، ص 650 - 655. أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1405 هـ/1985 م، دار إحياء التراث العربي: بيروت، ج 5، ص 158 - 161، ج 17، ص 108. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 13، ص 275. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1411 هـ/1991 م، دار الفكر: بيروت، ج 12، ص 15. النووي، روضة الطالبين، ج 8، ص 199. جنيد أحمد، العدالة والضبط، ص 50 - 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت