والرضى عند الله يتمثل باجتناب المرء الكبائر كلها، وتوقي الصغائر على قدر الاستطاعة، وعدم الإصرار عليها حال وقوعها؛ لأن الإقلاع عن جميع الصغائر مما لا يقوى عليه بشر إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما يبلّغون عن ربهم، وفي الحديث: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهُمْ» [1] . فالإلمام بمعصية من الصغائر مما جُبلت عليه النفوس، وفي اشتراط توقي جميع الصغائر للحكم على عدالة الشاهد سد لباب الشهادة، وباب الشهادة مفتوح إحياء لحقوق الناس [2] .
أما الرضى عند المخلوقين - ونقصد بهم الذين يعتد برأيهم - فهو ما عُبر عنه بلفظ المروءة والتي يُرجع فيها إلى العرف السوي، وهي تختلف بحسب الأزمان والأعراف، وحرصًا منا على تفصيل القول في هذه المسالة التي هي أساس البحث فسنسعى من خلال ما سبق أن نخرج بتعريف للعدل والعدالة يجمع ما تفرق في كلام الفقهاء.
فنقول إن العدالة هي: هيئَةٌ راسِخَةٌ تَدْعُو صَاحِبْهَا الاستِقَامة على الدِّيْن، باجتِنَابِ الكبِائِرِ، وَتَرْكِ الإِصْرَارِ عَلَى الصغَائِرِ، واستعمال المروءة بفعل ما يُجَمِّلَهُ، وتَرْكِ مَا يُشِيْنَهُ عُرْفًا وَعَادةً.
فقولنا هيئة راسخة [3] : تدل على أن المرء لا يسمى عدلًا إلا إذا عُرف بالعدالة من
(1) مسلم، صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار والتوبة، رقم الحديث 6965، ص 1191.
(2) ينظر: العيني، البناية، ج 8، ص 187.
(3) وهذه اللفظة ذكرها ابن رشد حيث قال: والعدالة: هيئة راسخة في النفس تحث على ملازمة التقوى باجتناب الكبائر وتوقي الصغائر والتحاشي عن الرذائل المباحة. وهو تعريف قريب مما اخترناه. وينظر: ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج 1، ص 173.
قلت: ومما ينبغي الإشارة إليه أنه لا يعني ترك الكبائر عدم الوقوع فيها بالكلية، وإنما وإن وقع فيها فإنه يتوب منها توبة نصوحًا؛ لأن التوبة تجبّ ما قبلها، فإن التوبة تجبّ الكفر الذي هو أعظم العصيان وأكبر الكبائر فما بالك بما هو دونه من الذنوب وإن عُد من الكبائر، ولكن ينبغي حتى نحكم بتوبته أن يظهر ذلك عليه وتترسخ في الأذهان توبته حتى يكون مرضيًا.