الصفحة 35 من 58

فهذه الأحاديث والآثار تدل على أنَّ الإصرارَ على الصغيرة إصرارٌ يُشعر بأن مرتكبَها متهاونٌ في دينه، أو كثرة ارتكابها، وإن كانت من أنواع مختلفة تجعلها في عداد كبائر الذنوب، وهذا رأي أكثر الفقهاء. وورد عن بعض الشافعية والحنابلة رأي آخر في المسألة، حيث يرى أصحاب القول الثاني أن الإصرارَ على الصغيرة لا يصيرها كبيرة، ذلك أن المسلم لو أصرَّ على الكبائر لا يصير بالمواظبة عليها كافرًا [1] ، فكذلك الإصرار على الصغائر لا يصير المواظب عليها مرتكبًا لكبائر الذنوب، وإن كان متعاطيًا للمحرم، لكنه مُحَرَّمٌ لا يصل إلى حد الكبيرة.

قلت: وهذا الذي أراه راجحًا؛ ذلك أن الإصرار على الصغيرة لا يخرجها عن كونها من صغائر الذنوب، أو وصفها بذلك، وإن كان مرتكبُها على خطر عظيم، لأن تهاونه بالصغائر قد يصل به إلى حد ارتكاب الكبائر [2] ؛ لأن ذلك من خطوات الشيطان الذي يغريه بالصغائر

(1) ينظر: الشربيني، مغني المحتاج، ج 4، ص 428. ابن مفلح، المبدع، ج 8، ص 306. المرداوي، الإنصاف، ج 12، ص 46، 47.

(2) وهذا مصداق لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا - أي جَمَعُوا - ما أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وإنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يَأْخُذْ بها صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» صحيح. ينظر: الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، ط 1، 1421 هـ/2000 م، مكتبة المعارف: الرياض، كتاب: الحدود وغيرها، باب: الترهيب من ارتكاب الصغائر، ج 2، ص 644، رقم الحديث 2471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت