الصفحة 39 من 58

شهادته وإن لم يصل أمره إلى القول بفسقه [1] .

ذلك أن العدالة في الشهادة للفضيلة المختصة بها، وهي تالية لفضيلة النبوة، قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] . وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة، 143] . وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج، 33 - 35] . وما كان بهذه المنزلة من الفضيلة امتنع أن يكون مسترسلًا في البذلة. فإن أقدم على البذلة وعدل عن صيانة نفسه وحفظها فمن باب أولى أن يقل تحفظه في حق غيره [2] .

وقد ضرب الفقهاء أمثلة على أفعال تدل على أن متعاطيها تاركًا للمروءة وإن لم يكن فعله حرامًا في ذاته؛ كمن يبول على الطريق - دون أن تنكشف عورته - أو يأكل على الطريق بمرأى من الناس ومن يمد رجليه عندهم، أو يكشف رأسه في موضع لا عادة فيه مما يجتنبه أهل المروءات، أو يمشي حافيًا في بلد يستقبح فيه مشي مثله حافيا، والبخيل، وسيء الخلق،

(1) وفي الحديث: «لا تجوز شهادة ذي الظنة» . أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، السنن الكبرى، ط 1، 1416 هـ/1996 م، دار الفكر: بيروت، كتاب الشهادات، جماع أبواب من تجوز شهادته ومن لا تجوز، ج 15، ص 275، رقم الحديث 21458. وحسنه الألباني في الإرواء، ج 8، ص 290، 291، وفي الحديث الذي رواه البيهقي في السنن: «أنه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين» والظنة: التهمة. وقد ذكر ابن العربي أن هذه الأحاديث رويت من أسانيد كثيرة شهرتها أغنت عن إسنادها. محمد بن عبدالله بن العربي، عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي، تحقيق: صدقي جميل العطار، 1415 هـ، دار الفكر: بيروت، ج 5، ص 137.

وقال ابن حجر عن الحديث الأول أنه مرسل، والثاني موقوف على عمر. وينظر: البيهقي، السنن الكبرى، ج 15، ص 275، كتاب الشهادات، باب جماع أبواب من تجوز شهادته، رقم الحديث 21459. ابن حجر، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبيرة، دار المعرفة: بيروت، ج 4، ص 203، 204، رقم الحديث 2128، وفاقد المروءة متهم مظنون فيه بسبب تركه للمروءة.

(2) ينظر: الماوردي، الحاوي، ج 17، ص 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت