"لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك , إني أخاف الله رب العالمين". [المائدة: 28]
ولقد كان في هذا القول اللين ما يفثأ الحقد ; ويهدىء الحسد , ويسكن الشر , ويمسح على الأعصاب المهتاجة ; ويرد صاحبها إلى حنان الأخوة , وبشاشة الإيمان , وحساسية التقوى.
أجل. لقد كان في ذلك كفاية .. ولكن الأخ الصالح يضيف إليه النذير والتحذير:
"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار , وذلك جزاء الظالمين" [المائدة: 28] .
إذا أنت مددت يدك إلي لتقتلني , فليس من شأني ولا من طبعي أن أفعل هذه الفعلة بالنسبة لك. فهذا الخاطر - خاطر القتل - لا يدور بنفسي أصلا , ولا يتجه اليه فكري إطلاقا .. خوفا من الله رب العالمين .. لا عجزا عن إتيانه .. وأنا تاركك تحمل إثم قتلي وتضيفه إلى إثمك الذي جعل الله لا يتقبل منك قربانك ; فيكون إثمك مضاعفا , وعذابك مضاعفا .."وذلك جزاء الظالمين"..
ولكن النموذج الشرير لا تكمل صورته , حتى نعلم كيف كانت استجابته:
"فطوعت له نفسه قتل أخيه , فقتله , فأصبح من الخاسرين" [المائدة: 30] .
بعد هذا كله. بعد التذكير والعظة والمسالمة والتحذير. بعد هذا كله اندفعت النفس الشريرة , فوقعت الجريمة. وقعت وقد ذللت له نفسه كل عقبة , وطوعت له كل مانع .. طوعت له نفسه القتل .. وقتل من ? قتل أخيه .. وحق عليه النذير:
"فأصبح من الخاسرين"..
"فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ" [المائدة:31] .
خسر نفسه فأوردها موارد الهلاك. وخسر أخاه ففقد الناصر والرفيق. وخسر دنياه فما تهنأ للقاتل حياة. وخسر آخرته فباء بأثمه الأول وإثمه الأخير ..
وشاءت حكمة الله أن تقفه أمام عجزه - وهو الباطش القاتل الفاتك - عن أن يواري سوأة أخيه. عجزه عن أن يكون كالغراب في أمة الطير:
وتقول بعض الروايات: إن الغراب قتل غرابا آخر , أو وجد جثة غراب أو جاء ومعه جثة غراب، فجعل يحفر في الأرض , ثم واراه وأهال عليه التراب .. فقال القاتل قولته. وفعل مثلما رأى الغراب يفعل ..