وظاهر أن القاتل لم يكن قد رأى من قبل ميتا يدفن - وإلا لفعل - وقد يكون ذلك لأن هذا كان أول ميت في الأرض من أبناء آدم. أو لأن هذا القاتل كان حدثا ولم ير من يدفن ميتا .. والاحتمالان قائمان. وظاهر كذلك أن ندمه لم يكن ندم التوبة - وإلا لقبل الله توبته - وإنما كان الندم الناشى ء من عدم جدوى فعلته , وما أعقبته له من تعب وعناء وقلق.
الدروس والعبر من القصة:
ولنا في هذه القصة الدروس والعبر ومنها:
1 -حُرْمَة قتل النفس الإنسانية.
النفس الإنسانية نفس كريمة عند ربها، كرمها على سائر المخلوقات؛ بأن نفخ فيه من روحه"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" [الحجر:29] ، وأسجد لها ملائكته"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا" [البقرة: 34] ، وجعلها خليفة له في أرضه"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" [البقرة: 30] ، وكرمها على سائر المخلوقات"ولقدكرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا" [النحل: 70] ، وسخر لها كل الكائنات"الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار" [إبراهيم: 32، 33، 34] .
حذَّرنا الله تبارك وتعالى من المساس بهذه النفس الإنسانية"والذين لا يدعون مع الله إلاهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا" [الفرقان: 68] ،"ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا" [الإسراء: 33] ،"ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم" [الأنعام:151] ،"ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍٍ نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئًا كبيرًا" [الإسراء: 31] .
والنبي ? يحذرنا من التقاتل والقتل، قال رسول الله ?:"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها , لأنه كان أول من سن القتل" [1] ، بل يحذرنا من الأفعال التي قد
(1) - سبق تخريجه.