ويذكر العلماء تعريفًا له يُقرِب معناه ويميزه عن غيره، فيعرفونه بأنه:"كلام الله، المنزّل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، المتعبد بتلاوته". ف"الكلام"جنس في التعريف، يشمل كل كلام، وإضافته إلى"الله"يُخْرِج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.
و"المنزل"يخرج كلام الله الذي استأثر به سبحانه:"قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا" [الكهف: 109] .
وتقييد المنزَّل بكونه على: محمد - صلى الله عليه وسلم - يُخرج ما أُنْزِلَ على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما.
و"المُتعَبد بتلاوته"يُخرج قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية - إن قلنا إنهما منزَّلة من عند الله بألفاظهما - لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك. [1]
أما لفظة التربية فهي مصدر كلمة (ربّى) بالتضعيف، فيقال: ربّاه تربية؛ أي: أحسن القيام عليه، ووَلِيه حتى يفارق الطفولية، كان ابنه أو لم يكن، وأما الربّ فعلى ثلاثة أقسام: يكون الرب بمعنى المالك، ويكون الرب بمعنى السيد المطاع، ويكون الرب بمعنى المصلح، ورَبّ الشيءَ: إذا أصلحه [2] .
وعلى هذا فأقصد بالتربية القرآنية ما يمتاز به القرآن الكريم من خصائص عالية موصلة لغايات سامية، إذ يأخذ بلبّ المرء فيجعله يرتقي من حال إلى أحسن وإلى أفضل بل وإلى أعلى وأسمى، في العمل والمعتقد ونحوهما، وكل هذا يدل عليه معنى التربية، إذ يقول الراغب الأصفهاني: التربيةُ إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام [3] ، بمعنى أن الفرد يتطور حالاته من مرحلة إلى أخرى حتى يصل إلى القمة مطبقًا كل تعاليم القرآن الكريم الذي فيه سعادة المرء في دينه ودنياه، وكذا المجتمع إذا سار على الدرب نفسه.
وكون القرآن الكريم كتاب تربية حقيقة مسلّمة لا ينكرها إلا من ختم الله على قلبه، فهو كتاب تربية وتهذيب وتطوير وتجديد لكل أمور المرء في حياته إن أراد الدنيا أو أراد الآخرة، إذ قال الله تعالى عن النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم -"يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة َ" [الجمعة:2] وهذا الكتاب يؤدي مهمتين اثنتين في وقت واحد، مهمة تعليمية تثقيفية، ومهمة
(1) - مباحث في علوم القرآن د/ مناع القطان ص 15،16.
(2) - ينظر لسان العرب لابن منظور مادة (ربب) 3/ 1547.
(3) - المفردات للراغب الأصفهاني 1/ 184.