ولعل النظرية التي قدَّمها أحد المفكرين تجد لها مبرِّرًا بعد التأمل، وخلاصة هذه النظرية أن الغرب وإن كان لا يشعر بالندية للعالم الإسلامي من الجانب المادي، إذ الفجوة الهائلة بين القوة المادية للغرب والقوة المادية للعالم الإسلامي يستحيل في عقيدة الغرب تجاوزها إلا إذا وقف الغرب أجيالًا منتظرًا العالم الإسلامي ليلحق به.
إلا أنَّه من الجانب المعنوي فالأمر يبدو مختلفًا، إذ إن الغرب يشعر فعلًا من وجه آخر بأن الإسلام يمكن أن يكون نداًّ منافسًا، والشعور بالندِّيَّة يبعث الخوف، والخوف أساس منطقي للعداء.
إن الأمر لا يرجع فقط إلى القوة المعنوية التي يملكها الإسلام، بل أيضًا إلى نقط الضعف المعنوية الخطيرة التي تعاني منها الحضارة الغربية، فالحضارة الغربية تعاني من أزمة حقيقية ومحسوسة، لقد وصف تشرشل القرن العشرين بالقرن"الفظيع"، وعلق على هذا الوصف أحد المفكرين بقوله: (( من الذي يتتبع مسيرة هذا القرن ويتأمل تاريخه ولا يحكم عليه بالفظاعة؟! ليس من شك في أن الأزمة التي يعانيها الإنسان في العصر الحاضر لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسان، إنها أزمة تهدِّد الإيمان بالإنسان، هي أزمة علاقة الفرد بالطبيعة، وعلاقته بعمله، وعلاقته بغيره من الناس، وعلاقته بالنظام الاجتماعي. لاحظ شفيتزر في كتابه"الحضارة والأخلاق"عند كلامه عماَّ أسماه"مأساة النظرة الغربية إلى العالم": (( إن حضارتنا تمرُّ بأزمة حادَّة، ويرد الناس هذه الأزمة إلى الحرب، ولكن الحرب وما يترتَّب عليها ليست إلا ظاهرةً من ظواهر انعدام الروح الحضاري الذي نجد أنفسنا فيه، وانعدام هذه الروح راجع إلى عدم التوازن بين تقدُّمنا المادي وتقدُّمنا الروحي، إن أكبر خطر في رفع العناصر المادية فوق العناصر الروحية هو ما يؤدي إليه من أن كثيرًا من الناس عن طريق هذا الانقلاب الكلي في حياتهم بدلًا من أن يصبحوا أحرارًا يتحوَّلون إلى أناسٍ غير أحرار ) ).