فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 111

ولا حظ مفكِّر آخر أن الواقع أنه ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى كاد الناس يجمعون على أن الإنسانية أشرفت على عصر جديد من عصور الحضارة، عصر أزمةٍ مفزعة شاملة قربت بين شعوب العالم لا بروح المحبَّة، ولكن بشعور الفزع الذي استولى على قلوب الناس، وظل هذا الشعور يتزايد وظلت المشكلات تتضاعف حتى آمن الكثير بقرب انتهاء الحضارة الغربية، وليس أدلَّ على ذلك من استعراض عناوين كثير من الكتب التي ظهرت بعد نهاية الحرب.

لاحظ كارل جاسبرز أن الثورة التكنولوجية هي الأساس المادي للكارثة الروحية: (( وإننا ندرك معنى انهيار المعايير الصحيحة، وندرك كيف يكون العالم قلِقًا حينما لا يدعو إلى تماسكه إيمان أو وعي اجتماعي ) ).

إن الأمر بوضوح بحيث يقرِّر فيلسوف لاديني، هو برتراند رسل، أنه (( لم يعد للمذاهب العقدية ولا القواعد التقليدية للأخلاق والسلوك سلطانُها الذي كان لها من قبل، وكثيرًا ما يستولي الشكُّ على تفكير الناس - رجالًا ونساءً - فيما هو حقٌّ، وما هو باطل. وعندما يُحاولون أن يصلوا إلى رأي في ذلك يواجهون عقبة لا يطيقونها، إذ ليس هناك أمامهم هدفٌ معينٌ يسعون إليه، أو مبدأٌ واضح يهتدون بهداه … هناك فقط مجموعتان من العقائد أمام الرجل الغربي الحديث عندما يكون منهوكَ القوى الروحية: نظام روما، ونظام موسكو. وكلاهما لا يخلق مجالًا للرجل الحر ) ).

ويحدِّد د. هوفمان معاناة الرجل الغربي بـ (( فقدان المعنى، وغياب أي هدف أسمى للحياة … نقص روحي ينذر بتحويل الوجود الفردي إلى مهمة يائسة عديمة المعنى … يصاحب هذه الورطة روح تشكيكية بعيدة عن اليقين والاطمئنان، تأكد الناس أن المستقل لا يحمل ما يتوقَّعونه، تلا انهيار الشيوعية فترة قصيرة … وبدلًا من أن ينعم العالم بالسلام انتكس إلى قوميات وشوفينيات القرن التاسع عشر، وما يشبه من حروب مسعورة ) ) (ص 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت