ثم قال: (( إن مثل الدجال ينطبق على المدنية الصناعية الحديثة، إنها"عوراء، أعني أنها تنظر إلى ناحية واحدة من الحياة: الرقي المادي غافلة عن الجانب الروحي. وبمعونة أعاجيبها التكنولوجية تمكَّن الإنسان من أن يرى ويسمع على مسافات أطول جداًّ مما تمكنه قدرته الطبيعية … وأن يقطع مسافات لا نهاية لها بسرعة خارجة عن نطاق التصوُّر، إن خبرتها العلمية تنزل الغيث وتنبت الزرع، وتكشف من تحت الأرض عن كنوز لا تخطر ببال، ويعيد دواؤها الحياة إلى مَنْ يبدو كأنه يقضى عليه بالموت، بينما تبيد حروبها وأهوالها العلمية الحرث والنسل. إن تقدمها الماديَّ من القوةِ والبريقِ بحيث إن ضعافَ الإيمانِ آخذون في الاعتقادِ بأنَّها إلهٌ بنفسها، إلا أنَّ أولئك الذين ظلوا واعين لخالقهم يدركون بوضوح أنَّ عبادة الدجال تعني الكفر بالله … حقاًّ إن الإنسان الغربي قد أسلم نفسه لعبادة الدجال، لقد فقد منذ وقتٍ طويلٍ براءته، وفقد كلَّ تماسكٍ داخليٍّ مع الطبيعةِ، لقد أصبحتِ الحياة في نظرِهِ لغزًا. إنه مرتابٌ شكوكٌ. ولذا فهو منفصل عن أخيه، ينفرد بنفسه، ولكي لا يهلك في وحدته هذه فإنَّ عليه أن يسيطر على الحياة بالوسائل الخارجية، وحقيقة كونه على قيد الحياة لم تعد وحدها قادرةً على أن تُشعِرَه بالأمن الداخلي، ولذا فإنَّ عليه أن يكافحَ دائمًا وبألم في سبيل هذا الأمن من لحظة إلى أخرى وبسبب من أنه فقد كل توجيه ديني وقرَّر الاستغناء عنه، فإنَّ عليه أن يخترع لنفسه باستمرار حلفاء ميكانيكيين، ومن هذا الاندفاع الثائر اليائس في تقنيته. إنه يخترع كل يوم آلاتٍ جديدة، ويعطي كلاًّ منها بعض روحه كيما تنافح في سبيل وجوده، وهي تفعل ذلك حقاًّ، ولكنَّها في الوقت نفسه تخلق له حاجاتٍ جديدةً ومخاوفَ جديدة وظمأً لا يروى إلى حلفاء جدد آخرين أكثر اصطناعية وتضيع روحه في ضوضاء الآلة الخانقة التي تزداد مع الأيام قوةً وجرأةً وغرابةً وتفقد الآلة غرضها الأصلي -"