أن تصون وتغني الحياة الإنسانية - وتتطوَّر إلى إلهٍ قائمٍ بذاته إلى صنمٍ مفترس من فولاذ، والظاهر أن كهنة هذا المعبود والمبشِّرين به غير مدرِكين أن سرعة التقدم التقني الحديث هي نتيجة ليس لنموِّ المعرفة الإيجابي فحسب، بل لليأس الروحي أيضًا، وأن الانتصارات المادية العظمى التي يعلن الإنسان الغربي أنه بها سيحقِّق السيادة على الطبيعة هي في صميمها ذات صفة دفاعيَّةٍ فخلف واجِهَتِها البرَّاقةِ يكمن الخوف من الغيب. إن الحضارة الغربية لم تستطع حتى الآن أن تقيم توازنًا بين حاجات الإنسان الجسمية والاجتماعية وبين أشواقه الروحية، لقد تخلَّت عن آداب دياناتها السابقة، دون أن تتمكن أن تخرج من نفسها أي نظام أخلاقي آخر مهما كان نظرياًّ يخضع نفسه للعقل، وبالرغم من كل ما حققته من تقدم ثقافي فإنها لم تستطع حتى الآن التغلُّبَ على استعداد الإنسان الأحمق للسقوط فريسة لأيِّ هتاف عدائي أو نداء للحرب، مهما كان سخيفًا باطلًا، يخترعه الحاذقون من الزعماء … الأمم الغربية قد وصلت الآن إلى درجة أصبحت معها الإمكانات العلمية غير المحدودة تصاحب الفوضى العملية، وإذ كان الغربي يفتقر إلى توجيه ديني صادق، فإنه لا يستطيع أن يفيد أدبيًا من ضياء المعرفة التي تسكبه علومه، وهي لا شكَّ عظيمة )) . (The road to Mecca by M. Asad 4 th ed. p. 293 - 295) .