إن هذا كله يثبت أن هذا الدين لا ينصره مختل العقيدة أو مضطرب الفكر، إن هذا الدين عزيز ثمين، ولن يحمل رايته إلا المخلصون الفاهمون!
ثامنًا: مع كل هذا الظلام الذي رأيناه في قصة بداية الاحتلال إلا أن النور لا ينعدم! فقد شاهدنا أمثلة تدل على أن الخير في الأمة لا ينقطع، والهمة لا تموت، نعم قد تضعف، ولكنها أبدًا لا تموت؛ ولعل رؤيتنا لسقمان بن أرتق وهو يذهب إلى الجهاد في حالته المرضية الشديدة دليلٌ على هذا الكلام، كما رأينا في موقعة البليخ وما ظهر فيها من جهاد وتجرد لله، إضافةً إلى حملات عسكرية متكررة من طغتكين أمير دمشق الذي كان - على سلبياته - محبًّا للجهاد، محببًا عند الرعية، راغبًا في الخير، نادمًا على أخطائه التي لعل من أبرزها سكوته على الإسماعيلية بل إعطاءهم قلعة بانياس، ومع ذلك فإنه عند موته أوصى ابنه بوري بن طغتكين الذي تولى الأمر من بعده بأن يُعلِي من شأن العلماء السُّنَّة، وأن يتمسك بالجهاد في سبيل الله [1] .
إن الأمثلة التي رأيناها في هذه الفترة لم تكن هي الأمثلة الخالصة التي يتحقق التغيير على يدها، ولكنها كانت أمثلة طيبة حملت الراية لمن بعدها، تمهيدًا لظهور شخصية تامة التجرد لله؛ ليُنزِل الله عليها نصره.
تاسعًا: مع شدة الألم الذي اعتصر قلوبنا لسقوط المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، ولذبح الآلاف من المسلمين، فإنَّ هذه الغمة كانت سببًا في توضيح الرؤية للشعوب ولنا، فبعض الحكام يُدلِّس على شعبه؛ مستغلًا إعلامه وجنوده ومقربيه، وموهمًا الجميع أنه يتحلى بالحكمة، ويتصف بالكياسة، ويتميز بحسن الرأي والقرار، بل لعله يتظاهر بحب الشريعة، وبذل النفس من أجل الدين! لكن تأتي مثل هذه الأحداث المحزنة فتكشف الأوراق، وتبدي الحقائق، ويعرف الناس الغَثَّ من السمين، والصالح من الطالح، ولعل هذا من أبرز فوائد هذه الكوارث، ومن أعظم نتائجها، وصدق الله إذ يقول: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [2] .
عاشرًا: برز لنا بوضوح في هذه الأحداث أن الخير سيأتي - غالبًا - من جهة شمال العراق، وتحديدًا من مدينة الموصل، وإذا كنا قد رأينا حملات كربوغا وجكرمش، فإننا سنرى ما هو أعظم منها على يد مودود بن التونتكين، ثم سيكون الظهور الأجلُّ لعماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، وكلهم سيأتي من هذه المناطق، وقد ذكرنا قبل ذلك مبررات هذه الخيرية في هذه المنطقة في هذا التوقيت، ولكن الوقفة المهمة التي نريد أن نلفت الأنظار إليها هي أن التغيير قد يأتي من مكان بعيد جدًّا عن الأحداث، فقد رأيناه هنا يأتي من شمال العراق بدلًا من الشام أو
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 248.
(2) (الأنفال: 37) .