لم يكن يعني نصر الرها بالنسبة لعماد الدين زنكي الخلود إلى الراحة، أو الاستكانة قليلًا بعد تعب السنين الطوال، إنما تحرك من فوره بعد سقوط الرها، وحرَّر - كما ذكرنا قبل ذلك - كل الحصون والقلاع والمدن الموجودة في شرق نهر الفرات، ثم تقدم بعد ذلك إلى مدينة البيرة - وكانت مملوكة للقوات الصليبية، وغالب سُكَّانها من النصارى الشرقيين - فضرب حولها الحصار الشديد تمهيدًا لإسقاطها [1] . وكانت مدينة البيرة ذات أهمية خاصة لعدَّة اعتبارات، منها:
أنها كانت تتحكم في أهم مخاضة على نهر الفرات، وبالتالي فالسيطرة عليها يسهِّل حركة الجيوش من الشرق إلى الغرب والعكس.
ومنها أن هذه المدينة حصينة جدًّا، ووجودها في يد الصليبيين يجعل لهم خطَّ رجعةٍ قويٍّ عند الصدام مع المسلمين.
ومنها أنها أقرب النقاط إلى مدينة تلِّ باشر التي يتحصن بها جوسلين الثاني، ولن يستطيع عماد الدين زنكي رحمه الله أن يواجه جوسلين الثاني في معقله إلا بالسيطرة على مدينة البيرة [2] .
لهذا ضرب عماد الدين زنكي في شهر رمضان (539 هـ) مارس 1145 م، الحصارَ المحكم حول المدينة، وقطع عنها كل الإمدادات والأخبار، حتى كادت المدينة أن تستسلم، وكاد سكانها أن يُشرِفوا على الهلاك.
ولكن - للأسف الشديد - في هذا التوقيت الحسَّاس، يأتي الخبر من الموصل باغتيال نائب عماد الدين زنكي هناك، وهو الأمير القدير نصير الدين جقر، وذلك في مؤامرة انقلابية قام بها ألب أرسلان بن محمود، وهو ابن أخي السلطان مسعود، وابن السلطان الراحل محمود السلجوقي. وكانت هذه المحاولة الانقلابية انفرادية، أي بمعزلٍ عن السلطان مسعود، وفيها قرَّب أنصار الملك ألب أرسلان له فرصَ نجاح المؤامرة، وذكروا له أنه لو قُتل نصير الدين جقر فإنه سيستولي بسهولة على الموصل [3] ، ولو دانت له الموصل سقطت كل أملاك عماد الدين زنكي في يده، وأصبح هو الرأس الأولى في العالم الإسلامي!
هكذا كانوا يظنون أن المجد يُصنع بخطوة واحدة، وأنه من السهل أن يُسرق جَهْد السنين بضربة واحدة أو موقف عابر!
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 334،333.
(2) ابن الأثير: الباهر ص 70.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 333، والباهر ص 71، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 281،280.