الصفحة 143 من 390

الآن وبعد سقوط بيت المقدس في قبضة الصليبيين، وبعد مرور أكثر من سنتين على نزول الصليبيين أرض الإسلام نحتاج أن نقف وقفة لتحليل الوضع.

فالأمور أصبحت متشابكة جدًّا، والقوى المتنازعة على حكم الشام وفلسطين وآسيا الصغرى كثيرة، ولا بد من أخذ صورة عامة عن حال كل قوة على الساحة؛ لنفهم التطورات التي سنُقبل عليها في القصة بعد ذلك، وعليه فإننا سنقف هنا عشر وقفات مهمة:

الوقفة الأولى: مع حال الإمارات الصليبية التي تكوَّنت في أرض الإسلام (خريطة 17) ، وحال الزعماء الصليبيين الذين قطعوا المسافات لتحقيق أحلامهم التوسعية.

أول الإمارات تكوينًا كانت إمارة الرها، وتولى قيادتها بلدوين أخو جودفري بوايون، وكانت قاعدتها هي مدينة الرها غرب الفرات، واستطاع بلدوين أن يضم إليها مدينة سُمَيْساط وسروج، وبذلك تكوَّنت الإمارة في شمال الجزيرة، أي المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات، وكذلك غرب الفرات، وهي في تقسيمات الدول الحالية تضم أجزاء من العراق وسوريا وتركيا، وهذه الإمارة كان يغلب على سكانها الأرمن، ولم تكن تدين بالولاء حتى هذه اللحظة للقوات الصليبية ولا للدولة البيزنطية، ولكنها كانت منفصلة مستقلة، وبذلك تحققت فيها أحلام بلدوين [1] .

وأمَّا الإمارة الثانية التي تكونت فهي إمارة أنطاكية، وهي مكوَّنة من مدينة أنطاكية في الأساس، وبعض المدن الصغيرة والقرى في شمالها وجنوبها وشرقها، وكان على رأس هذه الإمارة بوهيموند النورماني، وبها غالب الجيش النورماني، وسيطر عليها بوهيموند بعد صراع مع ريمون الرابع كونت تولوز، وكان غالبية السكان من النصارى الكاثوليك وهو جيش بوهيموند والنصارى الأرثوذكس، وكذلك الأرمن الذين يعيشون في هذه المدينة منذ أمدٍ، أما مسلمو المدينة فقد ذُبح أكثرهم، وطُرد الباقي إلى المناطق المجاورة.

وبذلك حقَّق بوهيموند أطماعه هو الآخر، وكوَّن إمارة مستقلة عن القوات الصليبية، وأنكر بوهيموند في الوقت نفسه صلته الحميمة بإمبراطور الدولة البيزنطية ألكسيوس كومنين، ومن ثَمَّ أصبحت إمارة أنطاكية معادية للدولة البيزنطية كما هي معادية للمسلمي [2] ن.

ومع أن الإمارتين السابقتين منفصلتان تمامًا عن القوات الصليبية التي أكملت الطريق إلى بيت المقدس، فإنَّ وجودهما كان له أكبر النفع لهذه القوات الصليبية الغازية؛ حيث كانت تقوم بدور عزل القوات السلجوقية عن الجيش الصليبي، ومن ثَمَّ تأمين ظهره أثناء عملية التقدم إلى بيت المقدس، وقد

(1) انظر: قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص 123،122.

(2) انظر: سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 161،160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت