الصفحة 144 من 390

ظلت هاتان الإمارتان - وخاصةً إمارة الرها - تتحملان عبء صدِّ الهجوم القادم من شرق العالم الإسلامي في السنوات اللاحقة.

وثالث الإمارات تكوينًا كانت إمارة بيت المقدس، والتي لن تلبث إلا قليلًا - كما سيتبين لنا - حتى تتحول إلى مملكة متكاملة، فقد قامت على مساحة واسعة نسبيًّا من أرض فلسطين تشمل مدينة القدس ذاتها، إضافةً إلى يافا والرَّمْلة واللُّدِّ، مع عقد معاهدات استسلام مع عكَّا وقَيْسَارِيَة وأُرْسُوف وعَسْقلان، ورأس هذه الإمارة الجديدة جودفري بوايون، وكانت أهم الإمارات، حيث إنها تسيطر على أهم مدينة عند النصارى في العالم، وهي مدينة القدس؛ ولذلك حاول جودفري بوايون أن يجمع في حكمه بين الشكل العلماني الذي يتميز به الملوك والأمراء والشكل الديني الذي يتميز به القساوسة والرهبان، ومن ثَمَّ أطلق على نفسه لقب (حامي بيت المقدس) بدلًا من أمير أو ملك.

ومن الجدير بالذكر أن أعداد الصليبيين كانت قد قلت جدًّا، على الرغم من الإمدادات القادمة عن طريق البحر بواسطة السفن الإيطالية، ولم يكن يُؤمِّن كل إمارة إلا عدد محدود من الجنود، وإن كان تعرضهم لهجمات المسلمين كان قليلًا؛ لذعر المسلمين من الصليبيين بوجه عام.

أما الزعيم الفرنسي ريمون الرابع فلم يجد له إمارة حتى الآن، ولقد فشلت محاولته في تكوين إمارة خاصة به في أنطاكية ثم في عِرْقَةَ بلبنان، ثم في بيت المقدس ثم في عسقلان، ومن ثَمَّ فقد غادر فلسطين كلها بجيشه وهو غاضب، واتجه ناحية لبنان حيث سيسعى إلى تكوين إمارة هناك حول مدينة طَرابُلُس.

هذا هو حال الجيش الصليبي، ولا شك أنه - على رغم قتل العدد الكبير وهلاكه من الجيش - حقَّق نجاحًا ملحوظًا بتكوين ثلاث إمارات في العالم الإسلامي في غضون سنتين تقريبًا من نزول الأراضي الإسلامية، وما زال راغبًا في التوسُّع والزيادة.

الوقفة الثانية: مع الكنيسة البابوية في روما

لقد دعت الكنيسة في روما لهذه الحروب لتضم إلى أملاكها بيت المقدس، وفيه كنيسة القيامة، ولم تقم بهذه الحملة بهذه الصورة الضخمة من أجل توسيع ممتلكات بوهيموند أو بلدوين أو جودفري أو ريمون الرابع؛ ولذلك أرسلت الكنيسة على رأس الحملة المندوب البابويّ (أدهمار) ليكون زعيمًا لكل الجيوش، وقد قام أدهمار بدوره على الوجه الأكمل، وكان صاحب كلمة مسموعة في الجيش غير أنه مات فجأة في (491هـ) أغسطس 1098م في أنطاكية، وبذلك فقدت الكنيسة رجلًا مهمًّا في وقت حرج جدًّا، ووصلت الأنباء متأخرة إلى البابا أوربان الثاني في روما، فأرسل مندوبًا بابويًّا آخر (دايمبرت) رئيس أساقفة بيزا الإيطالية [1] ، ولم يكن اختيار دايمبرت راجعًا لحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت