فهرس الكتاب
سياسته فقط، ولكن لكونه ممثِّلًا لمدينة بيزا القوية؛ مما سيجعل أساطيل بيزا القوية تقف إلى جوار البابا في تنفيذ مشروعه الصليبي الكبير، هذا إضافةً إلى خبرة دايمبرت في التعامل مع هذه الأمور العسكرية، وخاصةً المتعلقة بالمسلمين حيث كان هو المندوب البابوي في الحروب الصليبية التي شنَّها ملك قشتالة الإسبانية النصرانية على المسلمين في الأندلس، هذا على الرغم من السمعة السيئة الأخلاقية وانحراف السلوك الذي كان يشتهر به [1] ، ولكن هذا كان أمرًا عامًّا مشتهرًا في الكنائس الأوربية!
وهكذا وصل دايمبرت على رأس أسطول بيزيٍّ مكوَّن من مائة وعشرين سفينة في (492هـ) صيف 1099م إلى ميناء اللاذقية في الشام، محاولًا الوصول قبل سقوط بيت المقدس ليسيطر على الأمور قبل جمع الملوك والأمراء، غير أنه وصل بعد احتلال الصليبيين لبيت المقدس وولاية جودفري عليه [2] ، ومن ثَمَّ انطلق إلى بوهيموند أمير أنطاكية القريبة من اللاَّذِقِيَّة، وذلك للتفاهم معه حول الشأن الجديد في بلاد الشام [3] ، مع العلم أن البابا أوربان الثاني مات بعد أسبوعين من سقوط بيت المقدس، وتولى من بعده باسكال الثاني كما مرَّ بنا.
فهل تترك الكنيسة البابوية بيت المقدس يسقط في يد جودفري، أم تسعى الكنيسة للسيطرة عليه؟! سؤال سوف تجيب عنه الأيام القادمة.
الوقفة الثالثة: مع الدولة البيزنطية
كانت الدولة البيزنطية تهدف من وراء الاستنجاد بالغرب الكاثوليكي أن تأتي الجيوش الأوربية كمرتزقة يهاجمون السلاجقة المسلمين، ويستردون المدن البيزنطية لصالح الإمبراطورية البيزنطية في مقابل الأسلاب والغنائم، أو في مقابل الأموال والعطايا كما هو معتاد مع المرتزقة، ولم يكن الإمبراطور ألكسيوس كومنين يتوقع أن تأتي الجيوش الأوربية بهذه الكثافة، ولا بهذه الأطماع والأحلام؛ لذلك فُجعت الدولة البيزنطية من الوضع الجديد، وبدأت تصطدم مع الواقع الذي لم تحسب له حسابًا، إذ كان من الواضح أن هذه الجيوش جاءت لتبقى وتعيش، لا لتقاتل وترحل، وصار هذا الأمر صريحًا عند احتلال الرها وأنطاكية ثم بيت المقدس، ثم إنها بدأت تخسر الزعماء الصليبيين واحدًا بعد الآخر، ولم يعد هناك من لا يزال على العهد والصداقة إلا ريمون الرابع، والذي شعر أن آماله في التملُّك بدأت تتحطم في المشرق الإسلامي، وأن أمله الوحيد في مصادقة الإمبراطور البيزنطي؛ لعله يساعده في تكوين إمارة خاصة به.
ومع هذا الوضع غير المتوقع للدولة البيزنطية فإنها استطاعت أن تضم حتى الآن كل المدن الواقعة في غرب آسيا الصغرى على ساحل بحر مرمرة الشرقي، كما أنها تسلمت المدينة الحصينة نيقية