في يوم 13 من يناير 1099 م (492 هـ) تحرَّكت الجيوش الصليبية ناحية الهدف الرئيسي التي خرجت من أجله وهو احتلال بيت المقدس، وتفاوتت الروايات في تقدير عدد الجيش الصليبي الذي خرج من أنطاكية وما حولها لغزو فلسطين، فالمقلِّل يصل إلى ستة آلاف مقاتل فقط [1] ، والمكثِّر يصل به إلى ثمانين ألفًا من الصليبيين، وهو في الحالتين بعيدٌ جدًّا عن الأرقام التي عرَفناها عند نزولهم أرض الإسلام؛ إذ كان الجنود في أقلِّ تقدير ثلاثمائة ألف مقاتل.
وهذا النقص الحادُّ في العدوِّ إنما كان للمعارك المتتالية، وللموت أثناء الانتقال والحصار وفترات الجوع الطويلة، وكذلك لانفصال جيش بلدوين في الرها وبوهيموند في أنطاكية، ولترك حامية صليبية في كل مدينة يحتلونها بدءًا من نيقية وانتهاءً بمعرَّة النعمان جنوب أنطاكية؛ غير أنِّي أُرَجِّح أن الجيش كان في حدود ثمانين ألفًا أو نحوها؛ لأن المسافة التي اخترقها الجيش داخل أراضي سوريا ولبنان وفلسطين كبيرة يصعب فيها أن يتحرَّك ستة آلاف جندي فقط دون حماية، كما أنه لو لم يتبقَّ من الثلاثمائة ألف إلا ستة آلاف فقط لكان قرارهم - دون أدنى شكٍّ - هو الرجوع إلى أوربا والنجاة بالنفس، فضلًا عن أن معظم المعارك التي اشترك فيها الصليبيون كان النصر حليفهم، ولم نسمع عن قتلى بهذه الأعداد الضخمة، سواء في صفِّهم أو في صف المسلمين المهزومين.
تحرَّكت الجيوش بقيادة ريمون الرابع، وهو وإن كان يرتدي ملابس الحُجَّاج ويُعْلِن خدمة الربِّ إلاَّ أنه كان في منتهى الغيظ والحنق لعدم حصوله على إمارة حتى هذه اللحظة كزميليه بلدوين وبوهيموند، وهذا أثَّرَ في قراراته كما سيتَبَيَّن لنا من رحلته للقدس.
سار الصليبيون جنوبًا، وهم يقتربون من الساحل أحيانًا، ويتعمَّقون في الداخل أحيانًا أخرى، وكانوا في طريقهم يمرُّون بمدن إسلامية صرفة، ومع ذلك فقد كان ردُّ فعل هذه المدن في منتهى الخزي!
لقد أسرع الحُكَّام والأهالي في هذه المدن بتقديم الهدايا الثمينة والمؤن، بل والأدِلَّة للجيش الصليبي بُغْيَة الحصول على رضاه، وتجنُّب وحشيته [2] ، وكانت أخبار مذبحتي أنطاكية ومعرَّة النعمان قد وصلت إلى مكانٍ، ففعلت فعلها في إرهاب الشعوب حتى تفقد كلَّ أمل في المقاومة، ويصبح كلُّ همِّها البحث عن لحظات حياة أطول، ولو كانت هذه اللحظات تعيسة أو مَهِينَة، تمامًا كما فعلت
(2) قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص 127.