الصفحة 228 من 390

لا شك أن حادث مقتل مودود كان من اللحظات الفارقة التي أدت إلى كثير من التغييرات على الساحة السياسية والعسكرية، كما أدى إلى تغيير في أيدلوجيات كثير من القادة والدول، وهكذا دومًا يكون موت الشخصيات المؤثرة، وخاصةً إن كانت هذه الشخصية في عظمة وقيمة مودود رحمه الله، ويا لَحسرة الأجيال التي لا تعاصر شخصية من هذا الطراز، فإنه يمر عليها سنوات وسنوات دون أن تشعر بقيمة الزمن، ولعلنا في هذه الوقفة نتحدث عن خمس أو ست سنوات كاملة، بينما كنا أيام مودود نتحدث عن الشهور وليس السنوات لأهمية الأحداث التي نراها في زمان المجاهدين، وسيأتي علينا زمانٌ نتحدث فيه عن الأيام والساعات عندما نتكلم عن نور الدين محمود أو صلاح الدين الأيوبيّ، وهكذا تؤثر الشخصيات القوية على كل مجريات الأمور في زمانها.

وهذه بعض النقاط والوقفات التي تهمنا في السنوات التي تلت مقتل مودود رحمه الله:

الوقفة الأولى: مع حركة الجهاد في العالم الإسلامي بصفة عامة

للأسف الشديد فإن الأمة في هذه المرحلة لم تبلغ درجة من النضج تسمح باستمرار الجهاد بنفس الدرجة عند غياب الشخصية القائدة المجاهدة، والأصل أن الأمة الناضجة لا تعتمد على شخص أو شخصين، ولكن تكون الطاقات البديلة فيها متوافرة، ومن ثَمَّ فهي تسير قدمًا دومًا برغم العقبات والأزمات، ولهذا فإن مقتل مودود عطَّل حركة الجهاد الحقيقية ست سنوات كاملة، بل لعله أكثر من ذلك، وليس معنى هذا أنه لم تحدث حروب في هذه الفترة بين المسلمين والصليبيين، ولكنها لم تكن حروبًا كحروب مودود، إنما كانت نوعًا من أداء الواجب دون روح، أو نوعًا من طاعة الأوامر العليا بالجهاد، أو نوعًا من ذَرِّ الرماد في العيون، أو حتى نوعًا من العادة التي تحتم أن يقاوم الشعبُ المنكوب عدوَّه الذي احتل بلاده، وأحيانًا كانت بروح جهادية، ولكنها تفتقر إلى الكفاءة التي تنجحها، ولهذا فإننا سنرى بعض الحملات في هذه السنوات الست، وإلى سنة (513 هـ) \1119 م، ولكنها - للأسف - ستكون حملات بلا روح حقيقية، ولعل أفضل توصيف لها أنها كانت مجرد زوابع في فنجان!

الوقفة الثانية: مع إمارة الموصل

كان شعب الموصل - كما ذكرنا - محبًّا للجهاد مقدِّرًا للعلم والعلماء؛ ولذلك كان من الطبيعي أن يولَّى أمره رجلٌ من أهل الصلاح، حتى يكون هناك نوع من التناسق والتناغم بين الحاكم والمحكوم، وهذا وإن كان اختيار السلطان محمد إلا أنه سُنَّة من السنن، ذكرها رسول - صلى الله عليه وسلم - حين قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت