الصفحة 254 من 390

ومع أن الرسولين قد وُعِدَا بمال ومنصب إلا أن الله - عز وجل - لطيفٌ بعباده، فقد اختار جاولي رسولين صالحين في قلوبهما رأفة على الأمة، ونُصْحٌ لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا فقد قرر هذان الرسولان أن ينصحا السلطان بما يمليه عليهما الشرع والدين، لا بما يرغب فيه جاولي أو غيره، مضحِّين بذلك بدنيا قد وُعدا بها.

التقى الرسولان بشرف الدين أنوشروان بن خالد وزير السلطان محمود، وقالا له في أمانة بالغة:"قد علمت أنت والسلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمَكَّنَ الفرنج منها وقويت شوكتهم بها، فاستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود مارِدِين إلى عريش مصر، وقد كان البرسقي (آق سنقر) مع شجاعته وتجربته وانقياد العساكر إليه يكفُّ بعض عاديتهم وشرِّهم، ومنذ قُتِل ازداد طمعهم، وهذا ولده طفل صغير، ولا بد للبلاد من رجل شهم شجاع، ذي رأي وتجربة يذبُّ عنها ويحفظها، ويحمي حوزتها، وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين، فيختص اللوم بنا، ويُقال: ألا أنهيتم إلينا جليَّة الحال؟" [1] .

رفع الوزير شرف الدين هذا الكلام المهم إلى السلطان محمود فاستحسنه جدًّا، واستدعاهما وشكرهما، ثم سألهما عمن يُرَشِّحان لمثل هذا المنصب الخطير، فعرضا له بعض الأسماء، غير أنهما حسَّنا له اسمًا معينًا ورغَّباه فيه، فقَبِل السلطان محمود ترشيحهما إذ خبر بنفسه قوة الرجل المرشَّح وخبرته وإخلاصه وورعه، ومن ثَمَّ صار هذا الرجل الجديد أميرًا على الموصل وحلب، وهذا المرشح الجديد والزعيم المرتقب هو عماد الدين زنكي رحمه الله [2] ، وهو الزعيم الذي يحتاج منا إلى وقفات ووقفات، فهو - كما هو معروف - من علامات الجهاد البارزة في تاريخ الأمة.

فما هي قصة هذا البطل العظيم عماد الدين زنكي؟ وكيف علا نجمه واشتهر أمره؟ وما خطواته في الإصلاح؟ وما طريقته في التجديد والتغيير؟ وكيف كان تفاعل الشعب معه وموقف الأمراء منه؟ وما ردُّ فعل الصليبيين لظهور هذا النجم الجديد؟

هذا كله يحتاج إلى تفصيل ودراسة، وهو موضوع الفصل القادم.

لا يمكن فهم شخصية عظيمة كشخصية عماد الدين زنكي دون العودة إلى جذوره وأصوله، فبالنظر إلى حال أسرته وخاصة والديه ندرك الكثير من الأبعاد العميقة في حياته، ونكشف السر وراء هذه الشخصية المتكاملة، التي أجرى الله على يديها خيرًا كثيرًا للمسلمين.

والله - عز وجل - علَّل الخير الذي أصاب الولدين في قصة موسى - عليه السلام - والخَضِرِ رحمه الله بأن الأب كان صالحًا، فقال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [3] .

ففي هذه القصة بُعد عجيب، ومعنى دقيق لا بد من الاعتبار به، وهو أن الأب ترك الولدين مبكرًا، ولم يكن عنده من العمر ما يكفي لتربية أولاده وتنشئتهم، ومع ذلك فإن الله - عز وجل - حفظ الولدين وأجرى لهما خيرًا واسعًا بسبب أن أباهما كان صالحًا.

وفي نفس المعنى يقول الله - عز وجل: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا [4] .

وهذه هي حالة بطلنا العظيم عماد الدين زنكي تمامًا؛ فقد تركه أبوه وهو يبلغ من العمر عشر سنوات فقط! أي أن عماد الدين زنكي نشأ يتيمًا، ولكنَّ أباه كان يتقي الله، وكان يقول الكلمة السديدة، وكان صالحًا، فحفظ الله - عز وجل - الابن بصلاح الأب، وهذا متكرر كثيرًا في التاريخ الإسلامي، وكم من المغيِّرين والمجدِّدين للأمة نشئوا يتامى، فما حرمهم ذلك من أن يكونوا قادة ومصلحين، وليس الشافعي والبخاري، وأحمد بن حنبل، والحسن البصري، وعبد الرحمن الناصر، وقطز، وعمر المختار إلا مجرد أمثلة، بل إن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - نشأ يتيمًا، فكان أعظم إنسان عرفته البشرية.

إذن من هو الأب العظيم الذي بصلاحه حفظ الله - عز وجل - له ولنا هذا الابن الجليل عماد الدين زنكي؟!

إنه آق سنقر الحاجب التركماني!

وكما هو واضح من اسمه فهو من قبائل الأتراك، من قبيلة تُعرف باسم ساب يو، وهي قبيلة تمتعت بمكانة رفيعة عند السلاجقة الأتراك [5] .

وكان آق سنقر من أصحاب السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان، وهو السلطان العظيم الذي امتدت حدود دولته من الصين شرقًا إلى آسيا الصغرى غربًا [6] ، وكان عادلًا حسن السيرة؛ ولذلك

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243.

(3) (الكهف: 82) .

(4) (النساء: 9)

(5) ابن العديم: بغية الطلب في تاريخ حلب 8/ 3844.

(6) ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت