لم يكن يُقرِّب منه إلا الصالحين، ويكفي أن وزيره الأول كان نظام الملك، وهو من أعظم الوزراء في الإسلام، وحاجبه كان آق سنقر والد عماد الدين زنكي، فهذا من أدلة صلاح السلطان ملكشاه الذي يسَّر له الله - عز وجل - البطانةَ الصالحة.
وكان آق سنقر مقرَّبًا بدرجة كبيرة إلى قلب السلطان ملكشاه لدرجة أنه أنعم عليه بلقب عجيب، وهو"قسيم الدولة"، ومعنى اللقب أن يقتسم معه إدارة الدولة وشئونها، وهي منزلة رفيعة جدًّا [1] .
ثم كانت هناك أحداث صعبة تمرُّ بها بلاد الشام، حيث كانت تمزِّقها صراعات سياسية خطيرة، خاصة منطقة حلب حيث كان يتنازع السيطرة عليها ثلاث قوى رئيسية: أما القوة الأولى فهي قوة مسلم بن قريش العقيليّ صاحب الموصل وحلب [2] . وأما القوة الثانية فهي قوة تتش بن ألب أرسلان أمير دمشق، وهو أخو السلطان ملكشاه، ولكنه كما ذكرنا قبل ذلك كان خبيثًا فاسدًا، وكذلك صار أولاده من بعده وهم رضوان ودقاق. وأما القوة الثالثة فهي قوة سليمان بن قتلمش مؤسِّس إمارة سلاجقة الروم ووالد قلج أرسلان الأول الذي مرَّ ذكره في بدايات قصة الحروب الصليبية.
وكنتيجة مأساويَّة لهذا الصراع قُتل مسلم بن قريش على يد سليمان بن قتلمش، وأصبح الطريق إلى حلب مفتوحًا لسليمان، ولكن أهلها رفضوا تسليم المدينة له، وأرسلوا إلى السلطان العادل ملكشاه ليتسلم مدينة حلب، فوافق السلطان ملكشاه، وجاء بجيشه [3] ، لكن في هذه الأثناء قُتل سليمان بن قتلمش على يد تتش بن ألب أرسلان [4] ، وانطلق تتش ليستولي على حلب، غير أنه وصلها مع وصول جيش أخيه ملكشاه، ووجد تتش أنه لا طاقة له بهذا الجيش العملاق، فانسحب وترك المدينة لملكشاه [5] .
وكان الوضع في حلب سيِّئًا للغاية نتيجة الصراعات الدموية التي دارت في المنطقة فلم يجد السلطان ملكشاه حلاًّ لإصلاح أوضاعها إلا بتسليم إدارتها إلى الرجل الذي يثق في قدراته وأخلاقه وورعه، وهو قسيم الدولة آق سنقر الحاجب، وكان ذلك في شهر شوال (479هـ) يناير 1087م،
(1) ابن الأثير: التاريخ الباهر ص4.
(2) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 92،91.
(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 100،99.
(4) النويري: نهاية الأرب 27/ 93.
(5) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 18.