الصفحة 256 من 390

وهكذا بدأ الحكم السلجوقي لمدينة حلب، بل وأعطاه إلى جوار حلب عدة مدن في المنطقة منها حماة ومَنْبِج واللاذقية [1] .

تسلَّم آق سنقر الحاجب رحمه الله المدينة وهي في حالة مزرية من الفوضى والاضطراب بفعل الصراعات الكثيرة التي كانت بين حكام وأمراء المنطقة؛ مما جعل الحكام الذين تولوا حكمها لا يلتفتون أبدًا إلى أمورها الداخلية، أو إلى حياتها الاقتصادية، فتراجعت واردات البلاد، وفُرضت ضرائب باهظة على السكان، ونتيجة لغلاء الأسعار انتشر اللصوص في المدينة، وانعدم الأمن، ومن ثَمَّ تعطلت الحركة التِّجارية، كما تراجعت الزراعة، وهذا كله - لا شك - أثَّر سلبًا في كل قطاعات المجتمع [2] .

ومع هذا التدهور الرهيب في كل مناحي الحياة إلا أن آق سنقر بدأ يمارس عمله بنشاط، ساعيًا بكل طاقته أن يصلح الأمور كلها، وكانت نظرته شمولية، فلم يهتم بجانب على حساب آخر، بل تناول الأحوال جملة واحدة.

اهتم آق سنقر بداية بالحالة الأمنية الخطيرة التي كانت تعاني منها حلب، فأقام الحدود الشرعية، وطارد اللصوص وقُطَّاع الطريق، وقضى عليهم، وتخلص من المتطرفين في الفساد.

وإضافةً إلى هذه السياسة التي تعتمد على وجود شرطة قوية عادلة تدافع عن الحقوق، وتستخدم سلطتها في حماية الناس بدلًا من التسلط عليهم، إضافةً لهذه الشرطة فإن آق سنقر لجأ إلى سياسة أخرى عجيبة آتت ثمارًا رائعة وفي وقتٍ محدود؛ ذلك أنه أقر مبدأ المسئولية الجماعية لكل قرية أو قِطَاع في المدينة، مما يعني أنه في حالة إذا هوجمت قافلة أو إنسان، فإن أهل القرية يتحملون مسئولية الدفاع عنه، وإذا سُرقت أمواله، فإنهم يجتمعون معًا لتعويضه عما سُرق، ومن ثَمَّ أصبحت مهمة الحفاظ على الأمن هو مهمة الجميع [3] ، ولا يمكن أن يشك الناس في لص أو عصابة مجرمين دون الإخبار عنها؛ لأن المسئولية أصبحت جماعية وليست فردية، وهذا له مرجع في الشريعة، حيث مبدأ"العاقلة"، بمعنى أن أفراد العائلة الواحدة أو القبلية الواحدة، أو القرية الواحدة يتعاقلون فيما بينهم، أي يتعاونون فيما بينهم لجمع الدِّيَة المطلوبة من أحدهم، أو سداد الدين عنه، وبذلك تعود الحقوق لأصحابها مهما كانت كبيرة.

ونتيجة لهذه السياسة البارعة، ونتيجة للتطبيق الدقيق لها، ونتيجة للاستخدام الصحيح لجهاز الشرطة في الإمارة، عمَّ الأمن والأمان في كل الربوع وفي غضون أشهر قليلة، وانعكس ذلك -

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 443.

(2) مصطفى شاكر: دخول الترك الغز إلى الشام ص307، 315،314. المؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام الأول، عمان 1975م.

(3) ابن الأثير: الباهر ص15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت