فهرس الكتاب
ولا شك - على حركة التجارة والزراعة، وانعكس على حركة الأموال والبضائع، ومن ثَمَّ تحسَّن الاقتصاد بشكل ملموس وانخفضت الأسعار، وتوفَّرت المنتجات، وصار لحلب شأن عظيم بين الإمارات المجاورة [1] .
ولا بد أن نؤكِّد هنا على أن آق سنقر رحمه الله كان حريصًا تمامًا على إقامة الحدود الشرعية، مع أن الكثيرين قد يعتقدون أنها ستترك مجتمعًا مشوَّهًا نتيجة قطع أيدي السارقين، وقتل القاتلين، ورجم الزناة المحصنين، وجلد الزناة غير المحصنين، وجلد شاربي الخمر؛ قد يعتقد البعض أن المجتمع في حلب أصبح مشوَّهًا نتيجة تطبيق الحدود في وجود الكثير من المفسدين والمجرمين! لكن واقع الأمر أن هذا لم يحدث؛ لقد كان تطبيق الشريعة مع مجرم أو اثنين رادعًا لبقية المجرمين، ولم تَنْقِلْ لنا المصادر أن عددًا كبيرًا قد عوقب بهذه الحدود، إنما نقلت أن الأغلب الأعم من المجرمين ارتدع عن جرائمه، وصدق الله - عز وجل - إذ يقول: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2] ، فأصبحت حياة حلب وأمنها وعزِّها وتحسُّن اقتصادها وعلوّ شأنها في تطبيق القصاص، وفي الالتزام بالحدود الشرعية، وفي التطبيق الحرفيِّ لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ونتيجة هذا الأمن المتناهي نادى آق سنقر في أهل حلب بأمر عجيب جدًّا، وهو أن لا يرفع أحد متاعه من الطريق إذا أراد أن يذهب إلى مكان بعيد ثم يعود، بل يتركه دون حراسة، وهو ضامن له ألا يُسرق!!
لقد كان أمنًا عجيبًا تحدَّث عنه الناس هنا وهناك.
ومما يُروى في هذا الصدد قصة عجيبة، وهي أن آق سنقر كان قد مرَّ بقرية من قرى حلب، فوجد أحد الفلاحين - وكان لا يعرف آق سنقر - قد فرغ من عمله في حقله، ويستعد لحمل أداة من أدوات الزراعة على دابته ليحملها إلى القرية، وكانت هذه الآلة مغلَّفة بالجلد، فقال له آق سنقر: ألم تسمع مناداة قسيم الدولة بأن لا يرفع أحدٌ متاعًا ولا شيئًا من موضعه؟ بمعنى أنه يضمن لك حفظه من السرقة، فقال الفلاح: حفظ الله قسيم الدولة، وقد أُمِّنَّا في أيامه، وما نرفع هذه الآلة خوفًا عليها من السرقة، لكن هنا حيوان يقال له ابن آوَى (حيوان مثل الذئب) تأتي إلى هذه الآلة فتأكل الجلد الذي عليه، فنحن نحفظه منها ونرفعه لذلك. فعندما عاد قسيم الدولة إلى حلب أمر الصيَّادين فتتبعوا هذه الحيوانات في كل الإمارة، فصادوها حتى أفنوها [3] !
لقد كان أمنًا يخرج عن حدِّ الواقع إلى الخيال!
(1) سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان 8/ 244.
(2) (البقرة: 179) .
(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 104.