الصفحة 258 من 390

ولم يكن إسهام آق سنقر في هذا المجال فقط، بل نجد إسهاماته العمرانية مثلًا ما يثبت أنه كان قائدًا متوازنًا مهتمًّا بكل التفاصيل في إمارته، وقد جدَّد رحمه الله منارة مسجد حلب الجامع، وما زال اسمه منقوشًا عليها إلى اليوم [1] .

وأما في المجال العسكري، فكان قسيم الدولة رحمه الله منظمًا إلى أبعد درجة، وكان له جيش نظاميّ معظمه من التركمان، وكان له أيضًا جيش احتياطي مكوَّن من العرب والتركمان، وكانت القوات الاحتياطية تبلغ عشرين ألف مقاتل [2] .

وصار قسيم الدولة آق سنقر رحمه الله حديث الناس كلهم أجمعين! وأحبَّه أهل حلب حبًّا جمًّا، بل شُغِف بأخباره عامة المسلمين.

يقول المؤرخ ابن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق عن آق سنقر:"وأحسن فيهم السيرة، وبسط العدل في أهليها، وحمى السابلة (الطريق المسلوك) للمترددين فيها، وأقام الهيبة، وأنصف الرعية، وتتبع المفسدين فأبادهم، وقصد أهل الشر فأبعدهم، وحصل له بذلك من الصيت، وحسن الذكر، وتضاعف الثناء والشكر، فعمرت السابلة للمترددين من السفار، وزاد ارتفاع البلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار" [3] .

وقال ابن الأثير في حقه:"وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسةً لرعيته، وحفظًا لهم، وكانت بلاده بين رخص عام وعدل شامل وأمن واسع" [4] .

وقال ابن كثير:"كان قسيم الدولة من أحسن الملوك سيرةً، وأجودهم سريرة، وكانت الرعية في أمن وعدل ورخص" [5] .

كانت هذه هي حياة قسيم الدولة آق سنقر رحمه الله.

ومع هذه الروعة فإنَّ هذه الحياة لم تكن تعجب الجميع! بل كان هناك مَن ينكر عليه خيره، ومن يكره فضله، ومن يحقد عليه لأجل صلاحه وورعه!!

وعلى رأس هؤلاء كان تتش بن ألب أرسلان أخو السلطان ملكشاه، وكان تتش يطمع في بسط سيطرته على الشام بكاملها، وفي وجود مثل هذا الحاكم العادل في حلب فإنَّ ذلك سيصعب عليه؛ فالناس يحبونه، وكذلك السلطان ملكشاه، فماذا يفعل تتش؟!

(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 105.

(2) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 104.

(3) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص196.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 495.

(5) ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت