الصفحة 259 من 390

لقد كان تتش ذكيًّا في شرِّه! فبدأ في السعي في ضم كل الإمارات الشامية باستثناء حلب؛ لأنه يعلم أن ملكشاه يحب آق سنقر، فلا داعي لاستثارة السلطان عليه، ثم إنه أثار حملة السلطان لمساعدته بأن ذكر له أن بقية الإمارات الشامية واقعة تحت تهديد النفوذ العبيديّ، فأمر السلطان ملكشاه أمراء الشام بما فيهم آق سنقر أن يساعدوا تتش في حروبه ضد العبيديين [1] .

لكن قسيم الدولة كان يدرك أطماع تتش الانفصالية، وكان في نفس الوقت عظيم الوفاء للسلطان ملكشاه، لكنه لم يستطع أن يطعن في تتش لكونه أخَا ملكشاه، وهذا دفعه لمساعدة تتش بغير حماسة [2] ، مما أوغر صدر تتش عليه أكثر وأكثر، بل وراسل أخاه السلطان ملكشاه في أمر قسيم الدولة.

أراد السلطان ملكشاه أن يحل الأزمة برفق؛ فهو لا يريد أن يغضب كلا الطرفين، ومن ثَمَّ فقد استدعى كل أمراء الشام بما فيهم آق سنقر وتتش إلى مقرِّه في فارس ليتباحثوا في أمر الشام، وهناك قام تتش بصراحة باتهام آق سنقر بعدم الإخلاص للسلاجقة، وهذا دفع آق سنقر لأن يدافع عن نفسه، بل واتهم تتش بالكذب، ومن العجب أن السلطان ملكشاه أقرَّ آق سنقر على رأيه، ورفض عزله، وأوصى أخاه تتش بعدم التعرُّض له [3] !

وكان هذا اللقاء في رمضان 484هـ، أي بعد خمس سنوات من ولاية آق سنقر على حلب، لكن في السنة التالية حدث أمر مفجع وهو وفاة السلطان ملكشاه في شوال 458هـ\ تشرين الثاني 1092م، وتولى بركياروق ابنه الأكبر الولاية على السلطنة السلجوقية الكبرى [4] ، وهذا أغضب تتش الذي كان يطمع في هذا المنصب الرفيع؛ ولذلك قرر تتش أن يتحرك بالقوة العسكرية لحرب ابن أخيه بركياروق، والسيطرة على السلطنة بالقوة!!

ولكن تتش كان يخشى من وجود قوة آق سنقر خلف ظهره، وفي نفس الوقت كان يريد أن يستغل قوته العسكرية الكبيرة في تحقيق مطامعه، فأمره أن يأتي على رأس جيشه ليعاونه في حرب بركياروق بن ملكشاه!!

وقع قسيم الدولة آق سنقر في أزمة كبيرة؛ فهو يعلم أن قوة تتش أكبر بكثير من قوته، وهو في النهاية أخو ملكشاه السلطان المتوفَّى، وعم السلطان الحالي بركياروق، لكن في نفس الوقت هو على وفائه للسلطان العظيم ملكشاه، ويريد أن يحفظه في ابنه، كما أنه يعلم أطماع تتش، ويعلم أنه ليس بالشخصية الجديرة بحكم المسلمين، فماذا يفعل؟!

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 477.

(2) سهيل زكار: مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص216.

(3) ابن العديم: بغية الطلب 4/ 1956.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 484.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت