الصفحة 260 من 390

لقد فكَّر قسيم الدولة في خطة خطيرة! قد يدفع ثمنها من حياته يومًا ما، لكن لم يجد أمامه حلاًّ آخر!

لقد قرر قسيم الدولة أن يخرج بجيشه مع تتش، ويوهمه أنه سيقاتل معه، فإذا التقى الجيشان، ترك قسيم الدولة جيش تتش وانضمَّ إلى جيش بركياروق [1] !

إنها خطة خطيرة ستقضي تمامًا على قسيم الدولة لو انتصر تتش! لكنَّ قسيم الدولة كان يرى أن الحق مع بركياروق، ليس لأنه الوريث الشرعيّ للحكم فقط، ولكن لكونه أصلح وأتقى ألف مرة من تتش؛ ولذلك ضحَّى بأمنه وحياته من أجل الدفاع عن هذا الحق.

إنه نوعية فريدة حقًّا من الرجال!

ونفَّذ قسيم الدولة خطته، وفي سنة 486هـ التقى جيش تتش مع جيش بركياروق في مدينة الرَّيِّ بفارس، وفعلًا انسحب آق سنقر بجيشه وانضم إلى بركياروق، وفعل نفس الشيء أمير الرها بوزان، وكان وفيًّا كذلك للسلطان الراحل ملكشاه، فاختلَّ توازن جيش تتش، ومن ثَمَّ انسحب مهزومًا من الرَّيِّ، وعاد إلى الشام بخُفَّي حُنَيْن، لكنه عاد بقلبٍ أشد حقدًا على قسيم الدولة آق سنقر [2] .

أعاد بركياروق قسيم الدولة آق سنقر إلى إمارة حلب تابعًا له، وذلك في ذي القعدة 486هـ، وأمده بقوات إضافية لأنه كان يتوقع ضربة انتقامية وشيكة من تتش.

وسرعان ما جاءت هذه الضربة، فقد جمع تتش عدة جيوش، وتقدم صوب حلب لامتلاكها، وخرج له قسيم الدولة بعد أن استغاث ببعض الأمراء التابعين لبركياروق، لكنَّ الأمراء تأخروا في القدوم، مما جعل قسيم الدولة يواجه تتش بجيشه وحده، وكانت الهزيمة المفجعة، وأُسِرَ آق سنقر، وقام تتش بقتله على الفور [3] !

كانت هذه المأساة في يوم السبت 9 من جمادى الأولى 487هـ\ مايو 1094م، وهكذا انتهت فترة حكم آق سنقر - وهي ثمانية أعوام - لمدينة حلب، ويشهد الجميع أنها كانت من أزهى عصور حلب مطلقًا.

هذه هي قصة الرجل العظيم قسيم الدولة آق سنقر الحاجب!

هذه هي قصة الرجل الذي تربَّى في بيته عماد الدين زنكي!

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 488.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 489، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 110،109.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 495،494، وابن واصل مفرج الكروب 1/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت