أولًا: تكونت ثلاثة إمارات صليبية هي الرها وأنطاكية وبيت المقدس، وما زال ريمون الرابع يبحث له عن إمارة.
ثانيًا: أرسلت الكنيسة في روما أسقف بيزا دايمبرت ليحاول فرض سيطرة الكنيسة على بيت المقدس.
ثالثًا: استطاعت الدولة البيزنطية أن تسترد غرب آسيا الصغرى، ولكنها فقدت أنطاكية والرها وبيت المقدس، ولا شك أنها لن ترضى بهذا الوضع.
رابعًا: الخليفة العباسي ضعيف جدًّا، ولا يُرجى منه تغيير الوضع المتأزم.
خامسًا: السلطان بركياروق سلطان السلاجقة في فارس مشغول بالفتن الداخلية في دولته، فضلًا عن خلافه العميق مع أمراء الشام.
سادسًا: الخليفة العبيدي في القاهرة له أطماعه الخاصة في بيت المقدس وفلسطين، وإن لم تكن له القدرة الكاملة على مواجهة الصليبيين.
سابعًا: حكام الإمارات الإسلامية في منطقة الشام ضعفاء جدًّا من الناحيتين الإيمانية والإدارية على حد سواء، ومن ثَمَّ فهم لم يكونوا على قدر الأزمة التي عصفت بالأمة في هذه الآونة.
ثامنًا: سلاجقة الروم بزعامة قلج أرسلان ما زالوا في آسيا الصغرى، وما زالوا أيضًا يبحثون عن وجود لدولتهم، وإن كانوا منعزلين تمام الانعزال عن مشكلة الشام.
تاسعًا: النصارى الأرثوذكس يرحبون بالصليبيين، وكذلك الأرمن، وإن كان الأرمن لهم أطماع استقلالية، وخاصةً في الجنوب الشرقي لآسيا الصغرى.
عاشرًا: الشعوب المسلمة في المناطق المحتلة وغيرها كانت راضيةً بالوضع لحرصها على أي حياة، ولم يكن طموحها يرقى إلى معاني الجهاد والبذل والتضحية.
هذا هو الوضع بعد سقوط بيت المقدس، وفي أخريات القرن الحادي عشر الميلادي (آخر الخامس الهجري) ، وتحديدًا في (رمضان 492 هـ) أخريات يوليو 1099 م.
ماذا حدث بعد سقوط بيت المقدس والمدن الفلسطينية المختلفة؟
لقد وصل مندوب البابا - رئيس أساقفة بيزا دايمبرت - إلى الشام في صيف 1099 م بعد سقوط بيت المقدس، ووصلته هذه الأنباء، واجتمع مع بوهيموند أمير أنطاكية ليتباحثا معًا أحوال القوات الصليبية، وكان ذهن دايمبرت يعمل في اتجاه الحصول على أملاك تخص الكنيسة، واستغل بوهيموند هذه الرغبة، ووجَّه أطماع دايمبرت إلى ميناء اللاذقية [1] .
ولماذا اللاذقية بالذات؟
لقد سيطرت الدولة البيزنطية على ميناء اللاذقية بمساعدة الأمير ريمون الرابع [2] ، وحيث إن هذا الميناء يقع في جنوب أنطاكية فهو يمثل خطورة كبيرة على بوهيموند الذي صار معاديًا بصراحة للدولة البيزنطية، ومن ثَمَّ دفع بوهيموند الأسقف دايمبرت لاستغلال أسطول بيزا القوي لحصار اللاذقية وإسقاطها، ووافق الأسقف دايمبرت دون تفكير كثير على هذه الخطوة [3] ؛ خشية ألا تبقى هناك مدن مناسبة للاحتلال مع مرور الوقت، وبالفعل تمَّ الحصار، وكادت المدينة أن تسقط لولا حدوث أمر غيَّر الأحداث!
لقد جاء ريمون الرابع بجيشه في هذه اللحظة حيث فشل كما رأينا في الحصول على إمارة في فلسطين، فجاء يكرر سعيه للحصول على إمارة في الشام أو لبنان، وفُوجئ ريمون بالحصار المشترك بين بوهيموند ودايمبرت لميناء اللاذقية، فتدخل مسرعًا، وقام بزجر بوهيموند، وقال لدايمبرت: إنه ليس من الحكمة مطلقًا أن نخطو الآن خطوة نستعدي بها الدولة البيزنطية [4] ، وأن هذا سيقضي على آمال توحيد الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية تحت زعامة بابا روما [5] ، وأن فرصة دايمبرت أكبر في فلسطين حيث توجد القدس.
ووجد دايمبرت أن الكلام مقنع، ومن ثَمَّ - وعلى غير رغبة بوهيموند - رفع دايمبرت الحصار، ودخل ريمون البلدة ليرفع فيها علمه إلى جوار علم الإمبراطورية البيزنطية [6] ، وليتجه
(5) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 218.