الصفحة 153 من 390

فالحكام إفراز طبيعي للشعوب، وكما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ" [1] ؛ فالشعب الصالح يُقيِّض له الله - عز وجل - رجلًا صالحًا، والشعب المجاهد ييسر له رب العالمين قائدًا مجاهدًا، أما الشعب الخانع الضعيف الراغب في مجرد الحصول على لقمة العيش أو على وظيفة طيبة، فإنه يُبتلى بحاكم ظالم يُضيِّع عليه الدنيا والدين. إن الحاكم لا يستمد قوته حقيقةً إلا من شعبه، وإلا فمن هو الحاكم بدون شعبه؟ من الحاكم بدون جيشٍ ووزارات وسفارات ومصالح حكومية وموظفين وعمال وتجار وغيرهم؟ من هو الحاكم إذا تخلى عنه كل هؤلاء؟ ثم من الذي فرض على الشعب أن يسير وراء حاكمٍ بائع لدينه ووطنه، ومبدلٍ لشرع الله قادح فيه؟ أهو السيف والسوط فقط؟! ألم يعلم هذا الشعب أن الأجل لا ينقص ساعة، وأن الرزق لا يقل درهمًا عما قدَّره رب السموات والأرض؟! إن هذه بديهيات لا تغيب عن ذهن شعب واعٍ فاهم، وهذه ليست بديهيات مستحيلة، فكثير من شعوب الأرض على اختلاف مللهم وعقائدهم فَهِمُوا هذه البديهيات فعاشوا حياة كريمة، أفلا يفهمها المسلمون الذين أنعم الله عليهم بقرآن وسنة؟!

إننا لا يجب أن نعفي الشعوب التي رضيت برضوان ودقاق وغيرهما من الزعامات التافهة التي خربت البلاد، وظلمت العباد، وفتحت الطريق لألد أعداء الأمة ليسيطروا على مقدراتنا دون عناء، ولا يجب أن نعفي الشعوب التي رضيت بالحكم الصليبي في مقابل أن يسمح لهم أن يعيشوا بضع ساعات أكثر، ولا يجب أن نعفي الشعوب التي ما زالت تتعامل بالبيع والشراء مع عدو سفك دمها واستحل أرضها وأحرق مساجدها ونهب ثرواتها، كما لا يجب أبدًا أن نعفي الشعوب التي مسحت من قاموسها كلمة (الجهاد) ، حتى في أحرج المواقف التي تحتل فيها البلاد، ويصبح الجهاد فرض عين على كل المسلمين، بل إن كل شرائع العالم السماوية والوضعية لا تنكر على شعب احتلت أرضه أن يقاوم ويقاتل ويجاهد، فكيف بشعبٍ مسلم جعل الله - عز وجل - له الجهاد ذروة سنام دينه؟!

إن هذا الكلام ليس قاسيًّا أبدًا، بل هو واقعي تمامًا، وسنرى أنه يوم تدرك الشعوب دورها، وتتحرك طالبة من حاكمها إما أن يجاهد لرفع الظلم، وإما أن يترك المسئولية لغيره ليصلح الأوضاع، حين نرى هذا اليوم ستتغير الأوضاع، وتتبدل الأحوال، ويرفع الظلم، ويُمحى الذل، ويبدأ الشعب في الوصول إلى ما يجب أن يصل إليه.

إذن كان هذا هو الحال بعد سنتين من دخول القوات الصليبية إلى أرض الإسلام. ويمكن أن نلخص ذلك في النقاط العشر التالية:

(1) رواه أبو عبد الله القضاعي في مسنده الشهاب (577) ، والبيهقي في شعب الإيمان بلفظ"يؤمر عليكم" (7391) وفي سنده يحيى بن هاشم وهو ضعيف وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (320) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت