الصفحة 152 من 390

والممالك الصليبية كانت تعتمد على هؤلاء النصارى في معظم الأعمال؛ لأنها كانت لا تُبقِي المسلمين في داخل إماراتهم، ولهذا صار للنصارى وضع يدفع إلى رغبتهم في استمرار الحال على ما هو عليه، كل هذا مع كون النصارى الأرثوذكس على خلاف كبير مع المذهب الكاثوليكي، لكن الصليبيين كانوا من الذكاء في أنهم لم يثيروا هذه القضية، غاية الأمر أنهم كانوا يُقلبون الكنائس الكبرى إلى كاثوليكية، لكن يتركون كل نصراني على عقيدته الخاصة.

أما غالبية نصارى آسيا الصغرى فكانوا من الأرمن، وهؤلاء - على عكس نصارى الشام - لم تكن أحلامهم تقتصر على مجرد رغد العيش أو فرصة العمل، ولكنهم كانوا يريدون دولة وسيادة، وهم قد عاشوا فترة طويلة في تبعية الدولة البيزنطية، ثم بعدها في تبعية السلاجقة، وهم يتبعون كنيسة خاصة بهم أقرب إلى الكاثوليكية، وإن كانت مستقلة، وأعدادهم كانت كبيرة، ولهم تاريخ بالمنطقة، ولهم لغة خاصة بهم؛ لكل هذا لم تقف رغبتهم عند مجرد التبعية لأحد، ولهذا تجمعوا في معظمهم في جنوب شرق آسيا الصغرى، وخاصة في إقليم قليقية كما مر بنا، وهم سعدوا بالحروب الصليبية لأنهم رأوا فيها - بدايةً - خلاصًا من السلاجقة المسلمين، وأيضًا خلاصًا من الدولة البيزنطية والأرثوذكسية المخالفة لهم في العقيدة؛ ولذلك أحسنوا استقبال الصليبيين واعتبروهم محرِّرين لهم، وإن كانوا لم يذوقوا بعدُ طريقة الحكم الأوربي، والتي تعتمد في الأساس على النظام الإقطاعي الاستعبادي؛ ولذلك فسنرى بعد ذلك كيف سيكون التعامل على ضوء المعطيات الجديدة.

كما أن بعض الأرمن استغلوا سوء الأوضاع السياسي، وانشغال السلاجقة والبيزنطيين والصليبيين في الحروب المستمرة، واستقلَّ ببعض المدن، وخاصةً الموجودة في الجبال الجنوبية الشرقية في آسيا الصغرى، ليؤسس شبه إمارة تعتمد كليًّا على الأرمن، ومن هؤلاء على سبيل المثال كوغ باسيل الأرمني الذي أسس إمارة أرمنية خالصة قوية، كان مركزها في الأساس مدينتي كيسوم ورعبان، وازداد نفوذه واتسع لدرجة أقلقت الصليبيين أنفسهم.

ومن المعلوم أن غالب سكان إمارة الرها في أول نشأتها كانوا من الأرمن، ولا شك أن هذا سيكون له أثر على سير الأحداث في الأيام المقبلة.

الوقفة العاشرة والأخيرة: مع الشعوب المسلمة!

يَنْحَى كثير من المؤرخين دائمًا باللوم الكامل على طائفة الحكام والسياسيين، ولا يعلق - لا من قريب ولا من بعيد - على الشعوب التي تعيش تحت حكمهم، ولا شك أن دور الحكام كبير ومؤثر، ولا شك أيضًا أن الشعوب من المسئولية تجاه الأحداث المؤسفة التي شهدتها المنطقة في هذه الحقبة من الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت