الصفحة 287 من 390

ذهب عماد الدين زنكي لتولي منصبه الخطير، وهو إمارة الموصل، وليس وجه أهمية المنصب في كونه يشرف على واحدة من أهم وأوسع وأثرى الإمارات الإسلامية في ذلك الوقت، وليس فقط للأهمية الإستراتيجية لهذه الإمارة الواقعة في وسط مثلث مهم جدًّا؛ حيث إنها فاصلة بين العراق والخلافة العباسية، وفارس ومركز السلاجقة العظام، والشام بما فيها من أحداث ساخنة، ليس لهذه الأمور فقط ترجع أهمية الموصل، ولكن في الأساس لكونها أصبحت الإمارة التي يعلق عليها المسلمون آمالهم في تخليصهم من الكابوس المفزع المتمثل في الاحتلال الصليبي.

كانت المهمة إذن خطيرة جدًّا، والمعوقات لنجاح العمل كثيرة، ولا بد لمن يتولى هذا المنصب أن يكون على دراية تامة بأحوال الواقع الإسلامي، وعلى علم غزير بأمور الجهاد والإدارة والسياسة، وعلى قدرة تامة للتعامل مع كل المفاجآت والأحداث، وقد كان عماد الدين زنكي هذا الرجل المطلوب!

بدأ عماد الدين زنكي - وقبل وصوله إلى الموصل - ينظر نظرة شمولية للأحداث وللظروف، وكأني به قد نظر إلى المنطقة بمنظار درجته ثلاثمائة وستون درجة، وكأنه بهذه الصورة قد رأى كل صغيرة وكبيرة في المنطقة! فتعالوا نفكر مع عماد الدين زنكي في الوضع الجديد، ونرى كيف يمكن أن تكون رؤيته؟ وما هي أولوياته؟ وكيف ستكون خطواته؟! وما هي موازين القوى الموجودة في المنطقة في ذلك الوقت؟

أولًا: أقوى شخصيات العالم الإسلامي الآن هو السلطان السلجوقي محمود، ومقرُّه في أصفهان، وله الهيمنة على مناطق كثيرة أهمها إيران والعراق بما فيها بغداد والموصل، كما أن له السيطرة كذلك على حلب، ومن ثَمَّ فولاء عماد الدين زنكي سيكون بوضوح له، فوق أنه هو الذي ولَّى عماد الدين زنكي أصلًا ولاية الموصل [1] . وكان السلطان محمود عند ولاية عماد الدين زنكي يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، وكان عاقلًا حليمًا كريمًا عفيفًا [2] ، وإن لم يكن على نفس الخبرة والكفاءة التي كان يتمتع بها أبوه السلطان محمد أو أجداده.

ثانيًا: الخليفة العباسي آنذاك هو المسترشد بالله، ولو ظهر هذا الخليفة في زمان قوة الدولة العباسية لكان له شأن، لكنه ظهر والدولة العباسية في غاية الضعف، وتقع تحت الهيمنة السلجوقية تمامًا، وكانت تراود هذا الخليفة الطموحات بالاستقلال، ومرَّ بنا كيف أنه اصطدم قبل ولاية عماد الدين زنكي بشهور قليلة مع السلطان محمود، إلا أن السلطان محمود انتصر، واعتذر الخليفة له، فهذا

(1) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 243،242، والباهر ص 32 - 34.

(2) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت