الصفحة 288 من 390

-لا شك - سيؤثر في علاقة عماد الدين زنكي بالخليفة؛ فعماد الدين زنكي وإن كان لا يريد خصامًا أو شقاقًا مع أحد إلا أن أولوياته في هذه المرحلة ستكون موجَّهة للسلطان محمود أولًا، ثم الخليفة أو غيره من بعده، ثم إن عليه أن يعلم أن الخليفة قد يؤذيه في يوم ما؛ لأنه يعلم ارتباط عماد الدين زنكي بالسلطان محمود.

ثالثًا: إمارة الموصل الآن تموج بالفتن، والوضع الأمني فيها في غاية الاضطراب، ومنذ عام واحد قُتل آق سنقر البرسقي أمير المدينة بسهولة، وذلك على يد الباطنية [1] ، فهذا الانفلات الأمني أدى إلى نتائج خطيرة؛ حيث اضطربت حركة التجارة، وساد المفسدون، وخشي الناس على حركتهم وأموالهم، ومن ثَمَّ فقدوم عماد الدين زنكي على البلد ليس آمنًا.

رابعًا: من موازين القوى المهمَّة التي لا ينظر إليها كثير من المحلِّلين هو الشعب في المدينة المعيَّنة أو الدولة المعيَّنة، وشعب الموصل - كما سبق وتحدَّثنا عنه - كان شعبًا محبًّا للعلم راغبًا في الجهاد، ومن ثَمَّ فهو يصلح أن يكون نواةً جيدة لدولة قويَّة، كما تصلح الموصل بشعبها أن تكون عاصمة لحكم عماد الدين زنكي، حتى لو كانت أوضاعها الأمنية منفلتة الآن، وهذه نقطة مهمَّة؛ لأن اختيار العاصمة نقطة محورية في ذهن عماد الدين زنكي، خاصَّة أن حلب تُعَدُّ هي الأخرى بديلًا مطروحًا لأمورٍ كثيرة سنعرض لها في النقطة القادمة.

خامسًا: الوضع في حلب:

حلب مدينة في غاية الأهميَّة؛ فهي مدينة تتمتع بحصانة عسكرية عالية، كما أنها تقع على خطوط المواصلات بين العراق والشام، وهي قريبة جدًّا من معاقل الصليبيين، وأهمها الرها في الشمال وأنطاكية في الغرب، ولها أهمية اقتصادية عالية، كما أن كثافتها السكانيَّة كبيرة [2] .

كل هذه العوامل جعلت عماد الدين زنكي يعتقد تمام الاعتقاد أن هذه المدينة مهمَّة جدًّا في المنطقة، إضافةً إلى أن أهل حلب ما زالوا يتذكَّرون حاكمهم القديم"قسيم الدولة آق سنقر الحاجب"والد عماد الدين زنكي بكلِّ خير، ولا شكَّ أن هذا سيجعل قاعدة شعبيَّة عريضة لعماد الدين زنكي.

لكن في ذات الوقت فطبيعة الشعب في حلب مختلفة عن الموصل، فالشعب هناك عانى من سوء التربية وفساد الحكم عشرات السنين، وذلك منذ أيام تتش بن ألب أرسلان وابنه رضوان، وهذا الشعب وإن كان فيه خيرٌ - إن شاء الله - إلاَّ أنه لا يصلح في هذه المرحلة أن يكون نواة للحركة الجهاديَّة ضد الصليبيين، هذا إضافةً إلى أن المدينة قريبة جدًّا من معاقل الصليبيين؛ ولذا فتَمَرْكُز الحكم

(1) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 236.

(2) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت