فيها أمر خطير؛ ولذا ففي ذهن عماد الدين زنكي أن أهميَّة الموصل تعلو فوق أهميَّة حلب، ولكل منهما دور في خططه وبرامجه.
أمَّا الوضع السياسي الآن في حلب فهو مضطرب جدًّا؛ لأنه بعد وفاة عز الدين مسعود بن آق سنقر البرسقي ظهر فيهم أحد التركمان واسمه قتلغ أبه، وسيطر على الحكم، ووضع في صورة الحكم إبراهيم بن رضوان بن تتش، وكان إبراهيم هذا فاسدًا كأبيه، وكان قتلغ آبه أفسد منه، فبدأت المدينة تعيش حالة من الظلم والجور، وبدأ الذعر ينتشر هنا وهناك، وطمع الجميع في المدينة، وخاصَّة جوسلين دي كورتناي أمير الرها، وريموند دي بواتييه أمير أنطاكية [1] .
ثم لجأ أهل المدينة إلى شخصيَّة جديدة لعلَّها تنقذهم من ظلم قتلغ أبه، وهو سليمان بن عبد الجبار الأرتقي، ولكنه كان ضعيفًا، ومن ثَمَّ قامت مؤامرات وفتن، ولم يستقرّ الوضع على حال، والصليبيون على الأبواب [2] .
سادسًا: من مراكز القوى الموجودة أيضًا في ذلك الوقت الأمير جاولي، الذي أعلن الوصاية على ابن آق سنقر البرسقي الصغير، وكان طامعًا في الحكم، ورأينا أنه أرسل بهاء الدين الشهرزوري وصلاح الدين الياغيسياني لكي يُقنعا السلطان محمود بإعطائه الولاية [3] ، ولكن جَرَت الريح بما لا تشتهي السفن، ووصلت الإمارة إلى عماد الدين زنكي، فماذا سيفعل جاولي، وهو الآن بالموصل ومعه جيش الموصل الذي كان تحت إمرة عز الدين مسعود قبل وفاته؟
سابعًا: دمشق وبقية بلاد الشام:
في كل قصتنا من أولها إلى هذه اللحظة كانت دمشق تمثِّل مشكلة عويصة للحركة الجهادية! فدمشق هي المدينة الرئيسية في منطقة الشام بكاملها، بل إن الأهالي في هذه المناطق لو قالوا: الشام، فإن كثيرًا ما يقصدون دمشق فقط! لكن - للأسف - هذه المدينة بكل مقدراتها البشرية والاقتصادية والإستراتيجية والعسكرية، وبالتاريخ الإسلامي الطويل لم تكن على المستوى المطلوب إسلاميًّا في هذه الفترة، بل على العكس كانت حجر عثرة في المشروع الجهادي فترةً طويلة من الزمن!
وأصل المشكلة كما تعرضنا لها قبل ذلك الفترات الطويلة التي مرت على المدينة وهي محكومة بالفاسدين والظالمين وأصحاب البدع، حتى خرج علينا بالتدريج جيلٌ لا يوقر العلم ولا يحب الجهاد، ولا يعرف من الدين إلا بعض القشور، بل وتتحول عنده البدع إلى أصول!!
لقد حكمت دمشق كما ذكرنا قبل ذلك من سنة 358هـ\ 968م [4] إلى سنة 468هـ\ 1075م بالدولة العبيدية [5] ، وفي هذه الفترة الطويلة تغيرت المناهج التربوية والتعليمية والحياتية بشكلٍ كبير، أدى إلى حدوث خلل بيِّن في الشعب هناك، وضاعت الكثير من المبادئ والقيم، وفَقَد عقلاء المدينة الرؤية الصائبة، ومن ثَمَّ هجرها علماؤها، ودخلت فترة من الظلام الدامس!
وحتى بعد تحرير المدينة من العبيديين فإنها مرت بفترات عصيبة تحت الحكم العسكري لأحد قواد السلاجقة وهو أتسز (الأقسيس) [6] ، ثم تتش بن ألب أرسلان [7] ، ثم دقاق بن تتش [8] ، وأخيرًا طغتكين التركماني [9] .
ومع أن الحكم الآن في يد طغتكين إلا أنه لم يكن بالشخصية الجهادية الصرفة، ومن ثَمَّ فقد يمثل حجر عثرة أمام أحلام عماد الدين زنكي الجهادية.
أضف إلى كل ذلك تغلغل النفوذ الباطني في الشام، وخاصةً في دمشق وما حولها من قرى وقلاع، وكان هذا يرهب الناس إرهابًا كبيرًا، خاصةً أن الباطنية كانوا يتربصون بأي دعوة إصلاحية في المنطقة، مما جعل الشعب ييأس من احتمالية الإصلاح.
كل هذه العوامل جعلت مشكلة دمشق معقدة، فهي ليست مشكلة حكام فقط، إنما هي مشكلة شعب كذلك، وهذا - ولا شك - أصعب!
أما عسكريًّا وسياسيًّا فإن الوصول إلى بيت المقدس مستحيل دون التعاون مع دمشق أو السيطرة عليها، ونفس الكلام يقال على إمارة طرابلس، وعلى هذا فإن كان عماد الدين زنكي يريد حلاًّ لقضية الصليبيين في طرابلس وبيت المقدس، فلا بد أن يجد حلاًّ أولًا لقضية دمشق!
أما المدن الأخرى في الشام فكانت أضعف بكثير من دمشق، ولكنها جميعًا كانت محورية في حرب الصليبيين؛ لتداخل المناطق بعضها مع بعض.
وكانت حماة تحت سيطرة إمارة دمشق، وهي مدينة تتحكم في عدة محاور، كما أنها قريبة من أنطاكية وطرابلس.
(1) ابن العديم: زبدة حلب 1/ 431،430.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 221.
(3) ابن الأثير: الباهر ص35،34.
(4) انظر: المقريزي: اتعظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا 1/ 120.
(5) انظر: ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص174 - 176.
(6) المصدر السابق.
(7) انظر: ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص182.
(8) انظر: ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص213.
(9) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص149،148.