الصفحة 34 من 390

لا يخفى على من يقرأ القرآن الكريم أن أسلوب القصة يُعَدُّ من الأساليب الرئيسية لتوصيل فكرة أو تفهيم معنى. ولا يخفى على قارئ القرآن الكريم أيضًا أن القَصَص فيه لا يذكر إلا متبوعًا بعِبْرة أو درس أو فائدة، وأنه قد بُنِي بصورة تجعل القصة قريبة جدًّا إلى التطبيق الواقعي في حياتنا، حتى لكأنك ترى الأحداث رأي العين، وحتى لكأنك تعلم هؤلاء الأشخاص، وتعايشهم في حياتك الشخصية، ولكن بأسماء مختلفة؛ فهذا يفعل مثلما كان فرعون يفعل في القصة، وهذا يشبه قارون، وآخر يسير على خُطَا طالوت، ورابع يحاكي ذي القرنين في سيرته، وهؤلاء يشبهون قوم بني إسرائيل في مرحلة معينة من مراحل حياتهم، وآخرون يعيشون حياة قوم ثمود، وهكذا.

إن كل النماذج التي نراها في حياتنا لها أمثلة متشابهة في القرآن الكريم، حتى أصبح القرآن دليلًا واضحًا لطريقة الحياة التي ينبغي أن نكون عليها، وكل ذلك من خلال القصة؛ ولذلك يأمر ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين بقصِّ القصة، ورواية الرواية، يقول تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [1] .

وتاريخ الإنسانية كنزٌ عظيم، فيه من التجارب والخبرات ما لا يُقدَّر بثمن، وخطأٌ كبير أن يقع الحكيم فيما وقع فيه السابقون، وذنبٌ عظيم أن نتوه في الدروب، وفي أيدينا دليل النجاة. ولقد ضلت أمتنا كثيرًا لأنها أهملت تاريخها وتاريخ البشر، بل - وللأسف الشديد - فإنها عندما قرأتْ تاريخها قرأته على يد مبدِّلين ومغيِّرين زوَّروا الكثير من الصفحات، وشوَّهوا العديد من الرموز، وبدَّلوا القصص، وقلبوا أحداثها؛ فصار الصالحُ طالحًا، وأصبح المفسد حكيمًا، وبهذا ضاعت العِبَر، واختفت الدروس، وفَقَد المسلمون أحد أهم كنوزهم.

لذا كان لزامًا علينا أن نقوم بحملة دراسة شاملة لدراسة التاريخ الإسلامي من كل جوانبه؛ فنصحِّح كل هذه التجاوزات، ونعيد الأمور إلى نصابها، وبالتالي نستطيع الاستفادة من هذا الكنز الهائل.

وبين أيدينا محاولة لهذا التصحيح في موضوع من أهم الموضوعات التاريخية، وهو قصة الحروب الصليبية، وهي قصة في غاية الأهمية، ودراستها حتمية لفَهْم كثيرٍ من الأمور، سواء في التاريخ أو في الواقع؛ فدراسة هذه القصة مهمَّة لفهم التاريخ الإسلامي، وهي كذلك مهمة لفهم واقعنا الذي نعيش فيه الآن.

وقد وقع اختيارنا على هذه القصة لعدة أسباب، كان منها:

(1) (الأعراف: 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت