مودود بن التونتكين هو أول شخصية متوازنة تظهر في قصتنا، تجعل الجهاد في سبيل الله منهجًا واضحًا لحياتها، وتجعل قتال الصليبيين هدفًا إستراتيجيًّا لا يغيب عن الذهن، ولا يبعد عن الخاطر. وقد رأينا من سبقه من المجاهدين في القصة يجاهد مرة أو مرتين بسبب ظرف من الظروف، أو لتكليف من السلطة الأعلى، أو لردِّ عدوان صليبي على بلاده فقط، أما أن تكون قضية قتال الصليبيين هي الشغل الشاغل بصرف النظر عن الظروف، فهذا لم نره إلا في عهد مودود بن التونتكين رحمه الله، هذا مع كونه يرأس الموصل البعيدة نسبيًّا عن إمارات الصليبيين؛ مما يثبت أنه لم يكن يفعل ذلك لتأمين إمارته فقط، ولكن إرضاءً لله، وحبًّا للجهاد في سبيله.
بدأ مودود رحمه الله بترتيب بيته الداخلي في الموصل، وإقرار الأوضاع بعد الفتن التي مرت بها الإمارة في السنوات السابقة، وسار في إمارته بالعدل والرحمة [1] ؛ فأحبه الناس حبًّا شديدًا، ودانوا له جميعًا بالطاعة، وأعلن مودود أن جهاده سيكون في سبيل الله، وهذا جعل جنوده في حالة معنوية عالية؛ إذ أصبح الجهاد قضية شخصية لكل واحد حيث إنهم جميعًا يعملون لله - عز وجل -، أما عندما كان الجهاد في عهود سابقة من أجل أمير معين أو طاعة لأمر قادم من هنا أو هناك، فإنَّ الجنود حينها كانوا يقاتلون بفتور، ويدافعون بغير اكتراث، ولا يسعدون بنصر، ولا يحزنون لهزيمة، وهذه طبيعة الجيوش العلمانية التي تقاتل دون قضية، لكن مودود رحمه الله جعل القضية واضحة تمامًا في عين شعبه وجنده؛ مما ترك أثرًا إيجابيًّا رائعًا على إمارته، ظل ممتدًا لعهود طويلة.
ثم إن الخطوة التالية لمودود كانت رائعة، وتعبر عن فقه عميق لطريق النصر، وهي خطوة توحيد الجهود، وتجميع الشتات، والالتزام بالفكر الجماعي، وقد فقه التوحيد القرآني الفريد: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا [2] ، ومن ثَمَّ بدأ مودود في مراسلة من حوله من الأمراء لتجميع جيوشهم تحت راية واحدة، ولهدف واحد وهو طرد الصليبيين من بلاد الإسلام.
لقد كانت خطوة رائعة، لكن لم ينقصها إلا شيء واحد! وهو أن مودود بن التونتكين رحمه الله كان عملاقًا في زمان الأقزام!! فهذه الأهداف السامية، وهذه الغايات النبيلة لم تكن تشغل أمراء ذلك الزمن، ومن ثَمَّ لم تكن استجابتهم عالية، ومن استجاب منهم لم يكن سلوكه يدل على فهمه لقضية الجهاد في سبيل الله، بل كانت المسألة عندهم واحدة من اثنتين: إما رغبًا في نفع أو غنيمة، وإما رهبًا من سلطة مودود بن التونتكين أو سلطانه الأكبر السلطان محمد السلجوقي؛ ومع ذلك فقد
(1) ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص 199.
(2) (آل عمران:103) .