استطاع مودود رحمه الله أن يكوِّن حلفًا من الأمراء لَفَت أنظار المسلمين إلى ضرورة التوحُّد، وأعاد إلى الجميع مبدأ تجميع الجهود.
تكوَّن حلف إسلامي منظم لأول مرة في حروب المسلمين ضد الصليبيين، وكان على رأسه مودود رحمه الله، ويساعده فيه إيلغازي بن أرتق أمير ماردين وحصن كيفا، وهو أخو الزعيم السابق سقمان بن أرتق الذي مات وهو في طريقه لنجدة طرابلس كما بينا قبل ذلك، وكان في حلف مودود أيضًا سقمان القطبي (وهو غير سقمان بن أرتق بالطبع) ، وهو أمير خلاط وتبريز، كما تراسل معهم طغتكين أمير دمشق، الذي كان له - كما ذكرنا - بعض الميول الجهادية ضد الصليبيين [1] .
كانت وجهة هذه الحملة واضحة إذ قرروا التوجه صوب الرها، والغرض تحرير هذه الإمارة الإسلامية من الاحتلال الصليبي، وتحركت الجيوش الإسلامية من الموصل في شوال سنة (503هـ) إبريل 1110م، وفي غضون أيام قليلة وصلت الحملة العسكرية إلى حصون مدينة الرها، وهي تقع شرق نهر الفرات، وهي من أحصن القلاع في ذلك الوقت، وضرب مودود الحصار حول المدينة [2] !
شعر بلدوين دي بورج أمير الرها بالخطر الشديد، ومن ثَمَّ أرسل رسالة استغاثة عاجلة إلى بلدوين الأول ملك بيت المقدس، وكان الذي يحمل الرسالة هو جوسلين دي كورتناي شخصيًّا أمير تل باشر، دلالةً على اهتمام بلدوين دي بورج بالأمر، ووصلت الرسالة إلى الملك بلدوين الأول وهو في بيروت حيث كان محاصِرًا لها آنذاك [3] .
ظل الأمير مودود محاصِرًا لمدينة الرها مدة شهرين كاملين، وقد حاول بكل طريقة أن ينفذ من خلال استحكاماتها العسكرية لكنه لم يفلح لشدة حصانة المدينة، وفي هذه الأثناء كان بلدوين الأول يجمع الجيوش الصليبية للدفاع عن إمارة الرها، وبالفعل جاء بلدوين الأول بنفسه على رأس فرقة من جيشه، وجاء معه برترام أمير طرابلس، بينما رفض تانكرد أن يأتي للخصومة التي كانت بينه وبين بلدوين دي بورج أمير الرها [4] .
رأى مودود رحمه الله أن جيوشه ستحصر بين جيوش الصليبيين، حيث ستخرج له جيوش بلدوين دي بورج، ويغلق عليه بلدوين الأول وبرترام طريق العودة، ومن هنا آثر مودود في ذكاء حربي واضح أن ينسحب بجيشه إلى حرَّان جنوب شرق الرها؛ تمهيدًا للانسحاب أكثر وأكثر لاستدراج الجيش الصليبي، كما حدث قبل ذلك بست سنوات في موقعة البليخ، وهناك في حران وافته جيوش طغتكين أمير دمشق لتزداد بذلك القوة الإسلامية [5] .
(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 154.
(3) صالح بن يحيى: تاريخ بيروت ص18.
(5) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص169 - 171.