الصفحة 209 من 390

نظر بلدوين الأول الملك المحنك إلى هذه الترتيبات العسكرية ففهمها، وأدرك صعوبة التوغل إلى حران بجيوشهم القليلة نسبيًّا، فأرسل رسالة عاجلة إلى تانكرد يستحثه على القدوم بجيشه لمقابلة المسلمين في موقعة فاصلة [1] ، وإزاء ضغط بلدوين الأول، اضطر تانكرد إلى الموافقة، فجاء على رأس ألف وخمسمائة فارس [2] ، وعند وصوله عقد بلدوين الأول مجلس مصالحة صفَّى فيه الخلافات القديمة بين الزعيمين بلدوين دي بورج وتانكرد [3] !

إضافةً إلى هذه التحركات الواعية من بلدوين الأول تفاوض هذا الملك الخبير مع كوغ باسيل الأمير الأرمني لمدينة كيسوم، وبالفعل انضم إليه كوغ باسيل بفرقة من جيشه [4] .

زادت قدرات الجيش الصليبي، ولكن ذلك لم يكن خافيًا على استخبارات مودود رحمه الله، فقرر أن يُمعِن في الانسحاب حتى يستدرج الصليبيين بعيدًا تمامًا عن حصون الرها أو تل باشر ليفتقروا إلى ملجأ في حال هزيمتهم [5] ، غير أن بلدوين الأول كان يلعب هو الآخر مباراة ذكاء مع مودود، فقرأ الخطة ولم يندفع وراء الجيش الإسلامي، خاصةً أنه كان الحاكم السابق لإمارة الرها؛ ومن ثَمَّ فإنه يدرك جغرافية المكان، وخطورة التوغل جنوبًا [6] .

في هذا الوقت ترامت أخبار للملك بلدوين الأول باحتمال هجوم عبيدي على مملكة بيت المقدس، وكذلك وردت أخبار عن تحركات لرضوان ملك حلب صوب بعض القلاع المملوكة لتانكرد حول أنطاكية [7] ، وقد جعلت هذه الأخبار المزعجة الصليبيين في قلق على إماراتهم، ومن ثَمَّ قرروا الرجوع دون القتال؛ ومع ذلك فقد رأى بلدوين الأول أن ترك هذه المساحات الكبيرة من القرى والضياع والمزارع - وكلها داخلة في حدود إمارة الرها - سيمثل خطورة كبيرة على سكانها الصليبيين والأرمن، ومن ثَمَّ أصدر قراره بترحيل كل السكان من هذه المناطق الواقعة شرق الفرات إلى غربه؛ وذلك لتفادي هجوم المسلمين عليهم، وعليه فلن يبقى شرق الفرات إلا المدينتان الكبيرتان الرها وسروج [8] .

وبالفعل بدأ الترحيل السريع للسكان تمهيدًا لعودة الجيوش الصليبية إلى أماكنها، وأدرك ذلك مودود فتقدم بجيوشه شمالًا، والصليبيون يتراجعون في سرعة، ومع ذلك استطاع مودود أن يلحق بمؤخرة الجيش الصليبية، وبكثير من السكان الذين فشلوا في عملية الترحيل المفاجئة، وهذا أدى إلى انتصار إسلامي سريع على مؤخرة الصليبيين، مع امتلاك عدد كبير من الأسرى والغنائم والسلاح [9] .

لم تكن الموقعة فاصلة بالطبع؛ لأن معظم الجيوش الصليبية كانت قد عبرت نهر الفرات إلى الغرب، أو دخلت حصون الرها وسروج، ومع ذلك فإنَّ الموقعة تركت عدة آثار إيجابية لا يمكن إغفالها:

أولًا: وضعت الموقعة المسلمين على الطريق الصحيح، حيث كانت الراية المرفوعة هي راية الجهاد في سبيل الله.

ثانيًا: كانت هذه هي الموقعة الأولى التي تجمع فيها جيوش عدة إمارات في جيش واحد، وخاصةً أن طغتكين شارك فيها بجيش دمشقي مع الجيوش العراقية والفارسية.

ثالثًا: أدرك النصارى في هذه الموقعة أن العزيمة الإسلامية لم تمت، وأن الأمة الإسلامية لم تنس قضية الإمارات المحتلة، ولا شك أن هذا ترك أثرًا نفسيًّا سلبيًّا على الصليبيين.

رابعًا: فَقَد الصليبيون عددًا من الأسرى والغنائم أضافت إلى قوة المسلمين.

خامسًا: استطاع المسلمون السيطرة على بعض الحصون والقلاع والأراضي شرق الفرات، ولم يبق في شرق الفرات سوى مدينتي الرها وسروج، وهما - وإن كانتا في غاية الحصانة - إلا أنهما صارتا معزولتين فقيرتين بعد سيطرة المسلمين على المزارع حولهما، ولا شك أن هذا سيضعف من إمارة الرها [10] .

وهكذا تركت هذه الحملة انطباعًا إيجابيًّا مع أنها لم تكن فاصلة، وعاد مودود إلى الموصل، بينما رجع كل أمير إلى إمارته.

بدأ المسلمون يشعرون هنا وهناك بأن الأمل ما زال موجودًا، وأن الواقع الأليم من الممكن أن يُغير، وشعروا في نفس الوقت أن مودود يقاتل بمفرده، وأن الجيوش المتعاونة معه ليست على نفس مستواه، فأراد المخلصون من أبناء الأمة للحركة أن تتسارع، وللحميَّة أن تلتهب في صدور الرجال، فقام وفد من أهل حلب، من تجارها وفقهائها وعامتها، وتوجهوا إلى بغداد، فقد يئسوا من زعيمهم المتثاقل رضوان، وهناك التقوا مع خليفة المسلمين المستظهر بالله، ولكنه - كما نعلم - ليس خليفة بالمعنى الحقيقي، إنما هو صورة خليفة؛ ولذلك لم يكن لقدوم وفد حلب إليه أثر في قلبه أو عقله، إنما

(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 154.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 143.

(7) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 156،155.

(8) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص174،173،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت