الصفحة 178 من 390

لقد مرت بنا كما رأينا لحظات عصيبة سواء في الشام أو آسيا الصغرى، ورأينا الاحتلال البغيض يضرب جذوره هنا وهناك، ورأينا تخاذلًا كبيرًا من المسلمين، وتهاونًا شنيعًا في الحقوق والمقدسات، وحتى عندما رأينا نصرًا على الصليبيين، كذلك الذي حدث في سنة (494 هـ) 1101 م رأينا خلفه صراعًا على الأرض بل حربًا معلنة بين الزعيمين المسلمين قلج أرسلان وغازي بن الدانشمند!

ولقد كان الوضع في الشام أكثر ترديًا من الوضع في آسيا الصغرى، فلم نألف مقاومة ولا دفاعًا، بل رأينا التسليم والإذعان وطلب المودة والصداقة مع زعماء الصليبيين، مع كل ما ارتكبوه من مجازر ومذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين، بل يزيد. لكن هل يأتي زمانٌ على الأمة الإسلامية ينقطع فيه الخير، فلا يبقى مصلح، ولا يظهر تقي؟!

إنَّ هذا أبدًا لا يكون!!

والذين يدعون إلى هذا اليقين ليس مجرد استنباط من حقائق التاريخ، أو مجرد أمل ينقصه الدليل، إنما هو وعدُ حقٍّ بشرنا به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حين قال:"لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَاتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" [1] .

فالخير لا ينقطع من الأمة أبدًا، ولا بد له من ظهور وسيادة، وسيظل هناك دومًا من يحمل الراية، ويحض على الفضيلة، ويتمسك بالشرع، ويحب الجهاد، وسيظل هناك دومًا من يسعى إلى تحرير الأرض، وحفظ العرض، وردِّ الحق، ولن يأتي زمان أبدًا تموت الهمة فيه أو تختفي. نعم وقد تضعف وتخبو، ولكنها تظل دومًا باقية.

والذي ينظر إلى الأحداث أيام الحروب الصليبية يرى أمرًا لا يخفى على دارس، وإن كان لم يأخذ نصيبه من التحليل والفقه.

وهذا الأمر هو كل حركة جهادية، أو دعوة إصلاحية في هذه الفترة كانت تخرج من منطقة شمال العراق! هذا في الوقت الذي خفتت فيه إلى حد كبير دعوات الجهاد في الشام ومصر وآسيا الصغرى، فهل هذه حقيقة؟ وإن كانت كذلك فما السر وراءها؟

إننا رأينا في ثنايا القصة خروج كربوغا أمير الموصل في جيش كبير لنجدة أنطاكية عند حصارها سنة (490 هـ) 1097 م، ورأينا حصاره لإمارة الرها وهو في طريقه لأنطاكية، ورأينا

(1) البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين" (6881) . ومسلم: واللفظ له كتاب الإمارة، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" (1920) ، وابن ماجة (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت