الصفحة 179 من 390

سعيه إلى جمع أمراء الشام في حرب مشتركة ضد الصليبيين، ورأينا كيف خذلوه وتخلوا عنه، كلٌّ منهم بسبب أو عذر، ولهذا لم يكتب لحملته النجاح كما رأينا، لكنه على العموم كان الوحيد الذي قطع المسافات لحرب الصليبيين.

وسنرى بعد قليل غيره وغيره ممن سيحمل راية الجهاد ضد الصليبيين، بل سيخرج من نفس المكان عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، وهم جميعًا أغنياء عن التعريف أو الوصف.

لماذا حدث كل هذا في هذا المنطقة، ولم نره في بلاد الإسلام الأخرى؟!

إننا لكي نفقه هذه الملاحظة لا بد لنا من العودة إلى التاريخ القريب لهذه المناطق، وندرس الفارق بينه وبين تاريخ المناطق الأخرى، ومن ثَمَّ نستطيع أن نفهم جذور هذه الحركات الجهادية والإصلاحية.

إننا إذا عدنا إلى منتصف القرن الخامس الهجري - أي قبل الحروب الصليبية بخمسين سنة تقريبًا - سنجد طغرل بك زعيم السلاجقة السني يدخل بغداد مخلِّصًا إياها من الحكم الشيعي المستبد والمتمثل في بني بويه، وذلك بالتحديد في سنة (447هـ) 1055م [1] . وكان طغرل بك - كما يصفه ابن الأثير - حليمًا عاقلًا من أشد الناس احتمالًا، وكان يقول عنه أيضًا:"وكان رحمه الله يحافظ على الصلوات، ويصوم الاثنين والخميس" [2] .

ثم ملك من بعده ابن أخيه البطل الإسلامي الفذ ألب أرسلان الذي ملأ الدنيا عدلًا ورحمة وجهادًا وعلمًا، ويصفه ابن الأثير بكلام جليل فيقول:"وكان كريمًا عادلًا عاقلًا، لا يسمع السعايات (أي الوشايات) ، واتسع ملكه جدًّا، ودان له العالم، وبحقٍّ قيل له سلطان العالم، وكان رحيم القلب، رفيقًا بالفقراء، كثير الدعاء، وكان شديد العناية بكفِّ الجند عن أموال الرعية" [3] .

رجل كهذا كان يحكم بلاد المسلمين، وكان مركز حكمه وسلطانه في منطقة فارس والعراق، وشمل عدله كل هذه الديار، وحقَّق نصرًا غاليًا على الدولة البيزنطية في موقعة ملاذكرد سنة (463هـ) 1070م [4] ، ما زالت الدنيا تتحدث عنه إلى يومنا هذا، ولا شك أن هذا ترك أثرًا لا ينسى في شعبه، وعلَّمه قيمة الجهاد في سبيل الله وأثره.

ولم يكن ألب أرسلان وحده هو الذي يربِّي هذا الشعب، بل أنعم الله عليه بوزير من أعظم الوزراء في تاريخ الإسلام، وهو من بطانة الخير التي تحض دائمًا على الخير؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَا"

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 323،322، وابن كثير: البداية والنهاية 12/ 66.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 362.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 394.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 389،388.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت