الصفحة 180 من 390

اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَامُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَامُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ" [1] ."

هذا الوزير العظيم هو نظام الملك الطوسي الذي كان من العلماء الأجلاء، ومن المدافعين عن الشريعة والسنة، ومن المحفِّزين على الجهاد والبذل، ومن الأشداء في الحق، الرحماء مع الرعية، وكان مثالًا يُحتذى في كل مكارم الأخلاق، وكان اهتمامه بالعلم جليلًا وعميقًا، وظل وزيرًا لألب أرسلان حتى وفاة ألب أرسلان في (465هـ) 1072م، ثم صار وزيرًا لابنه ملكشاه الذي اتسع ملكه حتى وصل إلى الصين والهند شرقًا، وإلى الدولة البيزنطية والشام غربًا، وكان ملكشاه على نهج أبيه ألب أرسلان محبًّا للعلم، موقِّرًا للعلماء، مقدِّرًا لقيمة الوزير الجليل نظام الملك، حتى إنه قال له عند بداية حكمه:"قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد" [2] .

ثم إن نظام الملك أسدى للأمة الإسلامية فائدة عظيمة هي من أجلِّ أعماله، إذ قام بإنشاء عدد كبير من المدارس في كل أنحاء الدولة نسبت إليه، فعرفت بالمدارس النظامية (نسبةٌ إلى نظام الملك) ، وهي نوع من المؤسسات العلمية التي هُيِّئ فيها للطلاب أسباب العيش والتعليم، حيث كان يجري فيها على طلبة العلم الرواتب الشهرية، وكان يهتم بجلب أكابر العلماء للتدريس فيها، فدرَّس فيها مشاهير الفقه والحديث وسائر العلوم [3] ، وكان من أهمِّ أدوارها مقاومة المد الشيعي، والفكر الباطني الذي كان منتشرًا في كثير من البلاد آنذاك، وعلى قمة البلاد التي كانت تحت الحكم الشيعي آنذاك مصر والشام.

وظل الوضع على هذه الصورة حتى قُتل نظام الملك سنة (485هـ) 1092م على يد الشيعة الإسماعيلية الباطنية، أي قبل الحروب الصليبية بست سنوات فقط [4] .

ومن الجدير بالذكر أن السلطان العظيم ملكشاه تُوفِّي بعد وزيره نظام الملك بأكثر من شهر بقليل [5] ! ولا أشك أنهما لو كانا في زمان الحروب الصليبية ما تركا بلاد المسلمين تنهب على هذه الصورة، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل، ورحمهما الله - عز وجل - رحمة واسعة.

ولكن إن ذهب هؤلاء العظماء فإن أثرهما لم يذهب، فإنهما أورثا البلاد التي كانت تحت حكمهم حب الشريعة والدين، ولعل من أبرز المعاني التي ارتفعت في زمانهما معنيين: العلم والجهاد،

(1) البخاري: كتاب القدر، باب المعصوم من عصم الله (6237) ، والنسائي (4201) ، وأحمد (7238) ، والطبراني في الأوسط (4612) .

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 369.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 481،480.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 478.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 482،481.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت