الصفحة 181 من 390

ولا ترفع أمة إلا بهما، ولا تذل أمة إلا بتركهما، وهي معاني لا تزول بسرعة، بل تظل محفورة في الأذهان حتى بعد موت الداعي لها بزمان وزمان.

كان هذا هو الحال في منطقة فارس والعراق وما حولها، وهو ما عرف في التاريخ بدولة السلاجقة العظام، والتي ورثها بعد موت ملكشاه ابنه بركياروق [1] الذي كان حليمًا كريمًا صبورًا عاقلًا إلا أنه لم يكن على مستوى أبيه وجَدِّه، وكثرت في عهده الفتن والصراعات، وفي عهده دخل الصليبيون أرض الإسلام، ومع كثرة انشغاله في الصراعات الداخلية فإنه لم يتردد في إرسال كربوغا أمير الموصل لنجدة أنطاكية كما مر بنا.

وإذا كنا نذكر أن هذا هو حال البلاد التي كانت تحت حكم السلاجقة العظام بصفة عامة، فإننا نذكر أن معظم الحركات الجهادية والإصلاحية كانت تخرج من شمال العراق؛ وذلك لأنها أقرب الإمارات للشام وآسيا الصغرى، فإمارة الرها تقع في غرب إمارة الموصل وفي جنوبها، وعلى هذا فقد تحمَّل شمال العراق عبء إخراج المجاهدين والعلماء إلى هذه البلاد المنكوبة، بينما كانت جهود بقية بلاد السلاجقة العظام التي تتمثل في فارس وما حولها، موجهةً إلى شرق العالم الإسلامي لمواجهة الاضطرابات الناجمة عن الوثنيين من الأتراك أو الهنود.

ومما يلفت الأنظار أيضًا في هذه البلاد في شمال العراق أن الشعب نفسه كان مقدِّرًا لقيمة العلماء، وكان قادرًا على تقييم الحاكم في ضوء الشريعة، فيقف إلى جوار من ينصر الشرع والدين، ويقف في وجه من يظلم ويتجاوز حدود الشريعة.

ولنا أن نضرب مثلًا من حياة العلماء في منطقة شمال العراق لنرى قيمتهم وأثرهم، وليكن هذا المثل هو العالم الجليل (عديّ بن مسافر) .

ولعل الكثير من المسلمين لم يسمع عنه أصلًا، ولكنه كان من العلماء الأفذاذ الذين عاصروا بدايات الحروب الصليبية، وكان يعيش في منطقة شمال العراق عند جبال هكار بين قبائل الأكراد الهكارية [2] ، وكان هذا العالم كما يقول ابن تيمية:"كان رجلًا صالحًا، وله أتباع صالحون" [3] . بل يقول عبد القادر الجيلاني في حقه كلمة عجيبة حيث قال:"لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة، لنالها الشيخ عدي بن مسافر!" [4] .

وكان الشيخ عدي قد بنى له مدرسة يُعلِّم الناس فيها، وكما يقول ابن كثير:"فأقبل عليه سكان تلك النواحي إقبالًا هائلًا؛ لما رأوا من زهده وصلاحه وإخلاصه في إرشاد الناس". ويقول ابن

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 484.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 459.

(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى 11/ 103.

(4) أبو المحاسن ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 5/ 344.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت