فهرس الكتاب
خلكان:"وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير" [1] . بل يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن دعوة الشيخ عدي أدت إلى انتشار الأمن في تلك المنطقة، وارتدع مفسدو الأكراد وتابوا [2] .
وهذا مجرد مثال لتقدير الشعب لقيمة العلماء، ولفقههم لأهمية الشريعة، وهذا انعكس بدوره على تفاعلهم مع القادة العسكريين والسياسيين، فمن كان منهم معظِّمًا للشريعة مطبِّقًا لها، كان مطاعًا عندهم، محبوبًا إلى قلوبهم، ومن كان غير ذلك كان مكروهًا مذمومًا يتحين الجميع فرصة لعزله وإقصائه.
إنها طبيعة شعب يُرجى من ورائه خيرٌ كثير.
وإذا كان بروز السلاجقة واضحًا جدًّا في هذه المنطقة، وأثرهم لا يغفل أبدًا، فإن هناك من ظهر إلى جوار السلاجقة، وأسهم معهم إسهامًا واضحًا في الحفاظ على روح الجهاد في سبيل الله، ومن أهم هذه الطوائف الأراتقة والأكراد.
أما الأراتقة فهم من نسل أرتق التركماني، وهو من قبائل الأتراك أيضًا، وكان من القواد السياسيين البارزين لملكشاه السلطان السلجوقي العظيم، وتقلد كثيرًا من المناصب كان آخرها ولاية بيت المقدس [3] حيث تُوفِّي بها سنة (484هـ) 1091م [4] ، تاركًا ولدين من بعده هما: سُقمان وإيلغازي، اللذان حكما بيت المقدس لفترة وجيزة حتى سقط تحت الاحتلال العبيدي (الفاطمي) ، وذلك أثناء الغزو الصليبي، وتحديدًا في سنة (491هـ) \ 1097م، مما جعلهما يرحلان إلى الشمال، حيث ذهب إيلغازي إلى بغداد ليكون في خدمة السلطان السلجوقي بركياروق، بينما اتجه سقمان إلى منطقة ديار بكر في شمال العراق ليؤسس هناك إمارة إسلامية تابعة للسلاجقة، وأهم مدنها ماردين وحصن كيفا (في جنوب تركيا الآن) [5] .
وكان لهذين الزعيمين نخوة إسلامية واضحة، وكذلك لابن أخيهم بَلْك بن بهرام، وكان لهم جميعًا أثرٌ في حروب الصليبيين، سنراه مع تتابع الأحداث.
أما الأكراد فهم شعب عظيم من شعوب الإسلام، ينتمي - غالبًا - في جذوره إلى مجموعة القبائل الهندوأوربية، والتي هاجرت إلى مناطق شمال العراق وجنوب تركيا وشرق إيران قبل الميلاد بألفي سنة [6] .
(1) ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/ 254.
(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 20/ 342.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 443.
(4) ابن كثير: البداية والنهاية 12/ 170.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 19.
(6) انظر: أحمد تاج الدين: الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن ص15.