فهرس الكتاب
وقد دخلت هذه القبائل الكبيرة في الإسلام منذ أيامه الأولى، بحيث إنه لم تأتِ سنة 21 من الهجرة حتى دخل غالب الأكراد في الإسلام، ومنذ الدخول الأول لهم في الإسلام فإنهم ظلوا على عهدهم من الحميَّة والنصرة لدين الله مهما تقلبت الأحوال أو تغيرت الظروف، وكانوا في كل تاريخهم ملتزمين بالمنهج السُّني، وغالبهم على المذهب الشافعي، وحتى عندما سيطر بنو بويه الشيعية على الخلافة العباسية في القرنين الرابع والخامس الهجريين، ظل الأكراد على منهجهم السني الأصيل، وعاطفتهم الإسلامية القوية؛ لذلك لم يكن مستغربًا أبدًا أن تأتي النصرة من بلادهم، وأن يخرج نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي والملك الصالح نجم الدين وغيرهم من أصلاب هذه الأسرة الكريمة.
كان هذا الوضع في منطقة شمال العراق، وهو ما يفسر ظهور الحركات الجهادية والإصلاحية من هذه البقاع، ولا شك أننا نلاحظ أن كل ما ذكرناه من أسماء وقبائل كان من أصول غير عربية، بل إن المغيِّرين في قصتنا بكاملها من العرب سيكونون قلة قليلة جدًّا؛ وهذا ليس تقليلًا من شأن العرب، ولكنه ذكر لتاريخ وواقع، وهو في نفس الوقت تعظيم للإسلام الذي صهر كل هذه الأنواع البشرية والأجناس المتباعدة في بوتقة واحدة، فجاء السلاجقة والأراتقة والأكراد ليرفعوا راية هذا الدين، ويعزوا أمره متناسيين تمامًا أن نبي هذه الأمة عربي، وأن الخلافة كانت في العرب!! بل إن غالب المسلمين في ذلك الوقت كانوا من غير العرب، بل إن غالبهم في زماننا نحن الآن من غير العرب أيضًا، فالعرب لا يمثلون في المسلمين الآن إلا نسبة 25% فقط، وكذلك كانوا في التاريخ بعد زمان أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وبدءًا من زمان عمر بن الخطاب حيث انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا لا عجب أن نجد أن معظم المغيِّرين والمجددين في تاريخ الإسلام ليسوا عربًا، وليس على سبيل الحصر أن نذكر أسماء طارق بن زياد، وألب أرسلان، ويوسف بن تاشفين، وعماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، وقطز، ومحمد الفاتح، وكلهم كما هو معلوم ليسوا من العرب، وكذلك في مجال العلوم، بل في مجال العلوم الشرعية، وليس أدل على ذلك من ذكر أصحاب كتب الحديث المشهورين، فأعظمهم ستة، هم أصحاب ما يعرف بأمهات الحديث، وليس مستغربًا أن نجد أن خمسة من هؤلاء الستة ليسوا عربًا، وهم البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، ويبقى أبو داود وحده ممثِّلًا للعرب!
إن هذا دليل واضح على عظمة هذا الدين وقدرته على التأثير في عقول الناس وقلوبهم، وطبيعته التجميعية لشتات الشعوب، ويا لخسارة المسلمين لو جاء عليهم زمان يعلون شأن القومية فوق الإسلام، ويتجمعون على أواصر النسب والدم لا على أواصر العقيدة والدين!
هذا هو حال شمال العراق أيام الحروب الصليبية!!