الصفحة 184 من 390

فكيف كان حال الشام التي ابتليت بالاحتلال الصليبي؟!

إن بلاد الشام، وأيضًا مصر، قد نكبت بالاحتلال العبيدي البشع بداية من سنة (359هـ) 969م، ولم يرفع عنها إلا عندما جاء السلاجقة وأخرجوا العبيديين في (477هـ) 1084م، أي بعد أكثر من مائة سنة كاملة. أما في مصر فقد استمر حكمهم لها مائة سنة أخرى، ولم ينتهِ إلا في سنة (567هـ) 1171م. وفي هذه السنوات الطويلة فرَّغ العبيديون البلاد المحتلة من علماء السنة، ونشروا البدع، ومنعوا التعليم الإسلامي الصحيح، ولم تكن لهم أبدًا قضايا جهادية، بل كانوا يحاربون المجاهدين ويؤذونهم، ويحالفون أعداء الأمة ويصادقونهم، وقد رأينا طرفًا من أعمالهم ومفاوضاتهم مع الصليبيين؛ وفي وسط هذا الجو الكئيب كان لا بد للشعب أن يخرج رخوًا مائعًا لا قضية له! إنه حُرِم من العَالِم الذي يدله على الطريق، وحُرِم من المجاهد الذي يكون له قدوة، ولم يكن هذا لعام أو عامين ولكن لقرن كامل في الشام، وقرنين كاملين في مصر؛ ولذلك لم يكن متوقعًا من هذه البلاد أن تحمل على أكتافها قضايا المسلمين، حتى لو كانت هذه القضايا هي قضاياهم شخصيًّا!! فالأموال المنهوبة أموالهم، والديار المهدَّمة ديارهم، والأرواح التي أزهقت هي أرواح أبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم! ثم إن الذي حرر الشام من العبيديين كان ظالمًا مثلهم، وإن كان سنيًّا!

فالذي تولى أمر الشام من السلاجقة هو تُتش بن ألب أرسلان، وكان على النقيض تمامًا من أبيه ألب أرسلان أو أخيه ملكشاه بن ألب أرسلان، والله ضرب لنا ابن نوح - عليه السلام - مثلًا لنفهم هذا التضارب في الشخصيات والأخلاق.

لقد كان تتش ظالمًا مستبدًا، لا يهتم إلا بكرسيه، ولا ينظر إلا لمصالحه، ولا يسمع لرأي إلى جوار رأيه، ولا يعتبر بأرواح شعبه ولا أموالهم، ولا يحترم روابط دين أو عقيدة، ولا روابط دم أو نسب، فقطَّع علاقاته مع الناس أجمعين، وحارب هذا وذاك، حتى وصل به الأمر أن حارب بركياروق ابن أخيه ملكشاه بعد وفاة ملكشاه! وكل ذلك طمعًا في توسيع رقعة ملكه؛ أملًا في زيادة ثروته.

وكان من الطبيعي لشعب رُبِّي في هذا الجو الملبد بالظلم والقهر أن يخرج خانعًا خاضعًا ذليلًا، يُقاد بالسياط، ويقبل بانتهاك الحرمات، ويألف ضياع الحقوق؛ ولذلك لم يكن الصليبيون يختلفون كثيرًا في حسابات الشعب عن تتش بن ألب أرسلان أو عن العبيديين، بل إن بعض أفراد الشعب كانوا يتعاونون مع الصليبيين بغية طعام أو شراب أو مال أو إقطاع.

ولم يختلف الحال كثيرًا بعد وفاة تتش مقتولًا في سنة (488هـ) 1095م؛ إذ قسمت الشام إلى نصفين بين ولديه رضوان ودقاق، فأخذ رضوان حلب، وأخذ دقاق الشام، وهما لم يختلفا في كثير أو قليل عن أبيهما، فقد ورثا عنه الظلم وسوء الأخلاق، فكانا وبالًا على شعوبهما، بل وعلى عامة المسلمين، بل إن رضوان بن تتش جمع إلى جوار ظلمه ظلمَ العبيديين، فتشيَّع وقرَّب الباطنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت