فهرس الكتاب
الإسماعيلية المجرمة، وحرضهم على جرائمهم المنكرة بغية إرهاب الناس وتثبيت ملكه. ولقد مرَّ بنا في هذه القصة - حتى الآن - جريمتان من ارتكابهما؛ الأولى كانت مقتل الوزير العظيم نظام الملك سنة (485هـ) ، والثانية كانت مقتل جناح الدولة حسين بن ملاعب زوج أم رضوان بن تتش بتحريض من رضوان بن تتش نفسه، وذلك في سنة (495هـ) .
وهكذا - بالتحليل السابق - فإنه ينبغي أن نتوقع في غضون الأيام والسنوات القادمة أن تهب حركة جهادية إصلاحية من شمال العراق، وأن يكون تفاعل الشعب معها في الشام ضعيفًا في البداية إلى أن تتغير الأجيال التي تربَّت على الذل والقهر، والبُعد عن الدين والشرع، وعندها سيكون لهم شأنٌ كبير في تغيير الواقع الأليم!
هذا ما ينبغي أن نتوقعه، وهذا ما حدث بالفعل! وكان من أوائل بذور الخير ما رأيناه في سنة (496هـ) 1104م من تباشير حركة جهادية تهدف إلى مقاومة الصليبيين!
كيف كان ذلك؟!
كان على رأس إمارة الموصل في ذلك الوقت جكرمش، وقد صعد إلى كرسيِّ الحكم - كما ذكرنا - بعد فتنة حدثت بعد موت كربوغا أمير الموصل السابق [1] ، وكان جكرمش شخصية ذات نزعة إسلامية واضحة، ورغبة في العدل والرحمة، وقدرة على التعامل مع الناس؛ ولذلك أحبَّه أهل الموصل وأطاعوه، غير أنه كانت له ميول استقلالية، خاصةً أن الصراع كان دائرًا بين السلطان بركياروق وأخيه السلطان محمد؛ مما جعل أفكار الاستقلال بالموصل تراود خيال جكرمش، وإن كان في الظاهر يدين بالولاء للسلطان بركياروق [2] .
وفي نفس الوقت الذي رأينا فيه الاضطرابات في الموصل حدثت اضطرابات مماثلة في مدينة حرَّان، وهي مدينة تقع إلى الجنوب الشرقي من إمارة الرها الصليبية وعلى بُعد 200 كم تقريبًا شمال شرق حلب، وعلى نفس المسافة أو أكثر قليلًا شمال غرب الموصل، فهي مدينة في موقع مهمٍّ جدًّا؛ حيث إنها تسيطر على الطريق الذي يربط العراق بسوريا، أو الذي يربط الموصل تحديدًا بحلب، وقد حدثت فيها فتنة مماثلة لفتنة الموصل، وقُتل فيها عدة ولاة في وقت قصير، وتولى الأمر أخيرًا غلام تركي اسمه جاولي [3] .
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 55.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 79،78.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 102، راجع أحداث الفتنة في: ابن العبري: مختصر تاريخ الدول ص198، أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 5/ 191.