الصفحة 253 من 390

مقتلة عظيمة بين الطرفين تحدث لولا أن الله سلَّم، وقُمعت الفتنة، واعتذر الخليفة المسترشد للسلطان القويِّ محمود، واستقرت الأوضاع نسبيًّا [1] .

ومن هذه الحوادث أيضًا وصول بوهيموند الثاني ابن بوهيموند الأول، بعد أن بلغ سنَّ الرشد، وكان وصوله في شوال (521هـ) أكتوبر 1127م [2] ، ولم يكن يَقِلُّ شراسة عن أبيه، حتى وصفه المؤرخ أسامة بن منقذ بأنه كان بليَّة على المسلمين [3] .

وبهذا استقرت أوضاع الصليبيين إلى حدٍّ كبير، فبلدوين الثاني على رأس مملكة بيت المقدس، وجوسلين دي كورتناي على رأس الرها، وبونز على رأس طرابلس، وبوهيموند الثاني على رأس أنطاكية.

وقد سعى بلدوين الثاني إلى تقوية الأواصر بينه وبين مملكة أنطاكية، فاستقبل بوهيموند الثاني استقبالًا حافلًا، بل وعرض عليه الزواج من ابنته الثانية أليس، فقَبِل بوهيموند الثاني، وبذلك صارت الرابطة بين مملكة بيت المقدس وأنطاكية قوية ومتصلة [4] .

ومن الحوادث العجيبة أيضًا التي أدَّت إلى اضطراب في صفوف المسلمين، أن السلطان محمود استخلف على الموصل وحلب بعد استشهاد آق سنقر البرسقيّ ابنه عز الدين مسعود بن آق سنقر، وكان رجلًا شهمًا شجاعًا ورعًا كأبيه، وكان عازمًا على استكمال مسيرة الجهاد، وقد حاول أن يضم إحدى القلاع المجاورة لحلب إليها، غير أنه مات فجأة في أثناء الحصار دون أن يتعرض إليه أحدٌ بشيء، وكان ذلك في عنفوان شبابه، وأحدث موته اضطرابًا كبيرًا؛ إذ قام أحد المماليك واسمه جاولي بمحاولة تنصيب أخي عز الدين مسعود، وكان طفلًا صغيرًا؛ من أجل أن يتولى هو الوصاية عليه، وأرسل رسولين بذلك إلى السلطان محمود، وانخلعت قلوب العامة خوفًا من أن يقبل السلطان بهذا الوضع، مما سيضع البلد على حافة هاوية، فالأمر خطير، والصليبيون يطرقون الأبواب بشدة، ويحتلون بلادًا واسعة، ويحتاج المسلمون إلى شخصيَّة مجاهدة صابرة قوية لا إلى طفل صغير يتحكم فيه ملك صاحب مطامع!!

أرسل جاولي - كما ذكرنا - رسولين إلى السلطان محمود، وكان الرسولان هما القاضي بهاء الدين الشَّهْرُزُوري قاضي حلب، وصلاح الدين محمد حاجب عز الدين مسعود البرسقي، وكان جاولي قد وعدهما بالولاية والتقديم إذا أفلحا في إقناع السلطان محمود بما يريد [5] .

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 237 - 239، والتاريخ الباهر ص30،29.

(3) أسامة بن منقذ: الإعتبار ص121.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت