لقد بدأ المسلمون الآن ينظرون إلى آق سنقر على أنه القائد الذي سيصمد في الحرب ضد الصليبيين، وهذا - لا شك - أسعد المسلمين كثيرًا، إلا أن هذه السعادة لم تكن في قلوب كل من يرقب الأحداث.
لقد كانت هناك عيون يملؤها الشرُّ، وقلوب يغمرها الحقد ترقب هذا النمو لشعبية هذا المجاهد، وهذه الآمال المعقودة عليه!!
إنها عيون الباطنية وقلوبهم!
إن هذه العصابات الإسماعيلية الشيعية المسلحة ما كانت لتستقر أبدًا أو تسعد وهي ترى جهودًا سُنِّيَّة مخلصة تهدف إلى توحيد الأمَّة، وإعلاء راية الجهاد، وطرد الصليبيين؛ لذلك قررت هذه القلوب الحاقدة والنفسيات المعقدة أن تتخلص من هذا الرمز الجديد، كما تخلصت قبل ذلك من سلفه المجاهد مودود، ومن قبله من الوزير العالم نظام الملك!
وفي اليوم الذي عاد فيه آق سنقر إلى الموصل، وهو يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة سنة 520هـ الموافق 26 من نوفمبر 1126م، دخل آق سنقر رحمه الله المسجد الجامع لصلاة الجمعة، وكان يصلي رحمه الله مع العامة وَسْط الناس، وفي الصف الأول، وإذا ببضعة عشر باطنيًّا يهجمون عليه في وقت واحد، وتناوشوه بسكاكينهم وخناجرهم فسقط شهيدًا رحمه الله، في يومٍ كان من المفترض أن يحتفل فيه المسلمون باستعادة حصن رَفِنِيَّة [1] !
إن طريق الجهاد شاقٌّ وطويل، ومشاكله لا تنتهي، وآلامه كثيرة، لكن مع ذلك يبقى الجهاد ذروة سنام الإسلام وأعلى ما فيه، وعلى الأمة التي تبغي عزة، وتهفو إلى ريادة وسيادة أن تتعوَّد على مثل هذه الصدمات، ولا تيأس لفقدان رمز من رموز الجهاد؛ لأن الله - عز وجل - إذا اطَّلع على الصدق في قلوب الناس، والرغبة الحقيقية في الجهاد، رزقها مَن يحمل الراية، وكثيرًا ما يكون هذا البديل أعظم ألف مرة ممن فُقد، وهذا تدبير مَن لا يغفل ولا ينام.
ومع ذلك فلا يمنع أن تحدث هزة وأزمة مؤقَّتة بعد فقدان رمز مهمٍّ من رموز الجهاد والصلاح، ولقد تزامن مع استشهاد آق سنقر البرسقي رحمه الله عدة حوادث جعلت أحوال العالم الإسلامي في اضطراب أكثر وأزمة أكبر.
فمن هذا مثلًا حدوث خلاف عظيم بعد مقتل البرسقي بأقل من شهرين بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان محمود، وقد تطور هذا الخلاف حتى وصل إلى صدام بالجيوش، وكادت
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 236، والنويري: نهاية الأرب 27/ 26.