ثالثًا: تُعقد هدنة بين الطرفين لمدة معينة لم تحدِّدها المصادر، ولكن من الواضح أنها كانت هدنة لمدة قصيرة؛ لأن آق سنقر رجع مسرعًا إلى الموصل لإعادة ترتيب الأوضاع في جيشه، وجمع المجاهدين لصدام جديد، وقد ترك على حلب ابنه عز الدي مسعود بن آق سنقر [1] .
كانت هذه هزة لآق سنقر لكنها هزة لم تُلْغِ زعامته، ولم تزعزع مركزه، ولم تُفقده ثقة السلطان محمود فيه، ولا ثقة الشعوب الإسلامية في قدراته وإخلاصه، ومن ثَمَّ فالآمال كانت لا تزال معقودة عليه في تحرير الأراضي الإسلامية من دنس الصليبيين.
وبينما يُعِدُّ آق سنقر عُدَّته للتجهز لصدام جديد بعد انقضاء الهدنة إذ الأخبار تأتي من الشام أن بونز أمير طرابلس استطاع انتزاع قلعة رَفِنِيَّة من أيدي المسلمين، وهذه القلعة تابعة لحمص التي تتبع بدورها طغتكين أمير دمشق [2] ، وهي قلعة في غاية الأهمية لسببين رئيسيين؛ الأول لأنها تُشرف على طرابلس، ومن ثَمَّ فهي تهدد أمن الإمارة الصليبية بكاملها، والثاني أنها تشرف على الطريق بين بيت المقدس وأنطاكية، ومن ثَمَّ فالسيطرة عليها يؤمِّن الإمدادت الصليبية من بيت المقدس إلى أنطاكية، ومن الجدير بالذكر أن بلدوين الثاني شارك بونز في إسقاط قلعة رَفِنِيَّة، وبالتالي نقض الهدنة التي كانت بينه وبين آق سنقر البرسقي [3] .
هنا استنجد طغتكين بآق سنقر الذي جاء من فوره بجيشه في منتصف عام 520هـ\ 1126م، وأرسل آق سنقر ابنه عز الدين مسعود لقتال الصليبيين عند رَفِنِيَّة بينما توجه هو إلى حصار حصن الأثارب المهمِّ، وهو من الحصون التابعة لأنطاكية.
أقبل بلدوين الثاني مسرعًا ومعه جوسلين دي كورتناي أمير الرها، وكان واضحًا أنه خشي من القوة المتنامية لآق سنقر، ومن إصراره وعزمه على مواصلة الجهاد، ومن تعاطف المسلمين معه، ومن اتفاق زعماء الشام عليه، فعرض عليه الصلح، وعقد الهدنة من جديد، وهذه المرة سيدفع بلدوين الثاني الثمن، وهو إعادة حصن رَفِنِيَّة الخطير للمسلمين [4] !
كانت نتيجة مُرضية جدًّا لآق سنقر، وخاصة أنها جاءت دون قتال، وسيستعيد المسلمون حصنًا مهمًّا، وسيأخذون بالهدنة الفرصة لإعادة تنظيم جيوشهم وأمورهم، ومن ثَمَّ وافق آق سنقر البرسقي وتسلَّم حصن رَفِنِيَّة، وأبقى عز الدين مسعود ابنه في حلب، وعاد أدراجه إلى الموصل [5] .
(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 232،231.
(3) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص216، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 232،
(4) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 233.
(5) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص214.