"كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ" [1] . وقد وَلِي على الموصل بعد مقتل مودود أحد الأتراك الأخيار وهو آق سنقر البرسقي [2] ، وكان هذا الرجل كما يصفه ابن الأثير:"كان خيِّرًا يحب أهل العلم، والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجدًا" [3] .
ومع القوة الإيمانية والأخلاقية العالية لآق سنقر البرسقي رحمه الله إلا أن كفاءته السياسية والعسكرية لم يكونا على نفس القدر والمستوى؛ فضعف كفاءته السياسية أدخله في حروب جانبية مع الإمارات الإسلامية المجاورة، وخاصةً إمارة ماردين مما أدخله في صراع ليس له معنى في هذا التوقيت مع إيلغازي بن أرتق حاكم الإمارة، وبذلك خسر آق سنقر البرسقي الأراتقة جميعًا، وهم منتشرون في شمال العراق وديار بكر [4] ، وهذا - لا شك - أضعف موقفه، وشتَّت جهده.
كما أن ضعفه العسكري أدى إلى فشله في تحقيق نصر يذكر على الصليبيين الذين واجههم في إمارة الرها في الحملة التي خرج على رأسها في ذي الحجة (508هـ) مايو 1115م، إضافةً إلى أنه بعد فشل حملته مع الصليبيين، وفي أثناء عودته دخل في صدام مع الأراتقة بسبب عدم تعاونهم معه في الحملة، وتعرض في هذا الصدام لهزيمة كبيرة تفتَّت فيها جيشه الكبير المكوَّن من خمسة عشر ألف فارس، وهذا دفع السلطان محمد إلى عزله عن الموصل في سنة (509هـ) \ 1115م، وإعطاء الولاية لجيوش بك [5] .
وفي نفس السنة التي عُزل فيها آق سنقر البرسقي أَوْكَلَ السلطان محمد السلجوقي لبرسق بن برسق أمير همذان قيادة جيش كبير يهدف إلى حرب الصليبيين، إضافةً إلى إخضاع الإمارات الإسلامية المنشقَّة عن السلطان محمد، وكذلك الإمارات الشامية التي أصبحت تدار بأفراد خارج الدولة السلجوقية، مثل دمشق التي تدار بطغتكين، وحلب التي تدار ببدر الدين لؤلؤ؛ وفي هذه الحملة خرج أمير الموصل الجديد جيوش بك تحت زعامة الأمير العام للحملة برسق بن برسق [6] .
(1) رواه أبو عبد الله القضاعي في مسنده الشهاب (577) ، والبيهقي في شعب الإيمان بلفظ"يؤمر عليكم" (7391) وفي سنده يحيى بن هاشم وهو ضعيف وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (320) .
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 153.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 236.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 154،153.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 161.
(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 158.