فهرس الكتاب
ودون الدخول في تفصيلات كثيرة مؤلمة فإنَّ هذه الحملة انتهت بمواجهة سافرة عجيبة بين الجيش السلجوقي من ناحية، وجيوش الصليبيين المتحدة مع جيوش الإمارات الإسلامية في ديار بكر، وأيضًا حلب ودمشق من ناحية أخرى!!
لقد رأى هؤلاء الأمراء أن خطر السلاجقة عليهم أكبر من خطر الصليبيين، فعرضوا التحالف مع روجر الأنطاكي والصليبيين ضد الجيش السلجوقي المسلم! وهكذا وقف المسلمون وفوق رءوسهم الصُّلبان، يقاتلون مع أعدائهم تحت راية واحدة!!
إنه ضعف الرؤية، أو قُلْ انعدامها! فليس هناك من مبرر - مهما كانت الظروف - لنرى مثل هذا المفارقات التي يستعجب منها كل السامعين، سواء كانوا من المسلمين أو غير المسلمين!
وللأسف الشديد انتهت الموقعة - التي عرفت في التاريخ باسم موقعة دانيث، وهو المكان الذي وقعت فيه - بهزيمة برسق بن برسق وجيشه المسلم السلجوقي، وغنم المعسكر الصليبي المسلم ما لا يُقدَّر من الغنائم والسلاح. ومن الجدير بالذكر أن روجر الأنطاكي استأثر بالغنائم لنفسه وجيشه، ولقد كانت المفاجأة لأهل أنطاكية أكثر من سارَّة، حيث عاد روجر بثروات طائلة، كما عاد بأخبار تفكُّك الصفّ الإسلامي وتشتُّته [1] .
واستمر جيوش بك في حكم الموصل، ولم تكن له محاولات تذكر لإعادة الكَرَّة ضد الصليبيين.
وهكذا أُحْبِط أهل الموصل نتيجة وجود هذه الأمراض القاتلة التي دعت الأمة في وقت من الأوقات أن تقاتل أخاها، وتصافح ألدَّ أعدائها!
كان هذا هو حال الموصل بعد مقتل مودود رحمه الله.
الوقفة الثالثة: مع عماد الدين زنكي
بَهَر هذا الفتى القدير الأنظار في المعارك التي اشترك فيها، وأدرك الجميع قدراته العسكرية الفذة، كما أدركوا أيضًا عمق ولائه للسلاطين السلاجقة، وعدم تردده في سماع الأوامر وتنفيذها، فأوكلت إليه في الحروب المهامُّ الجسام، وعلى الرغم من عدم تحقق النصر في المواقع الحربية في تلك الفترة، إلا أنَّ الجميع كان منشغلًا بذكر هذا القادم الجديد: عماد الدين زنكي.
الوقفة الرابعة: مع طغتكين أمير دمشق
بعد مقتل مودود رحمه الله روَّج رضوان - كما ذكرنا - لإشاعة أن طغتكين هو الذي قتله؛ وذلك ليدفع التهمة عن نفسه أولًا، وليتخلص من طغتكين ثانيًا. ولقد أحدثت كلمته أثرًا في كثيرٍ من
(1) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 159،159، وأسامة بن منقذ: الإعتبار ص20.