الصفحة 231 من 390

الناس، بل تأثر بذلك السلطان محمد الذي حمَّل طغتكين مسئولية مقتل مودود، وخاصةً أن مسئولية الحماية الأمنية لمودود داخل دمشق تقع على عاتق أمير البلد طغتكين، ومن ثَمَّ شعر طغتكين أن الأرض تناقصت من حوله، وأن الأنصار له يقلُّون، ومن ثَمَّ ارتكب ذنبًا قبيحًا غير مقبول، وهو التحالف مع الصليبيين لكي يأمن شر الجميع [1] !!

لقد كان مفهومًا أن يعقد مع الصليبيين هدنة ليتجاوز فترة ضعفه، لكن أن يتحالف معهم، ويقف معهم في خندق واحد ضد إخوانه المسلمين من السلاجقة، فهذا ما لا يقبل لا شرعًا ولا عقلًا.

ولكن من ناحية أخرى فإن هذا يثبت أن طغتكين لم يكن مدبِّرًا لحادث مقتل مودود؛ لأنه قرَّر بعده مباشرة أن يتحالف مع الصليبيين ليحموه بعد فَقْد حماية مودود، فهذا يؤكد أنه ما كان ليقدم على قَتْل حمايته بنفسه، خاصةً أنه استفزَّ الصليبيين قبل قدوم مودود، وذلك بالهجوم على بعض المناطق التي يحكمونها، وبنصرة مدينة صور ضدهم.

وهكذا فبموقف طغتكين الخاطئ خرجت مدينة دمشق العظيمة من معادلة الصراع، وحُيِّد جانبها إلى حدٍّ كبير، خاصةً أن أمورها الداخلية لم تكن مستقرة أبدًا لسيطرة الشيعة الباطنية الإسماعيلية على كثير من الأمور فيها.

الوقفة الخامسة: مع إمارة حلب

مات رضوان الخبيث في سنة (507هـ) \ 1113م، وتولى من بعده ابنه الشاب ألب أرسلان - المسمَّى على اسم جَدِّه العظيم ألب أرسلان - لكنه لم يكن يُشبِه جَدَّه لا من قريب ولا من بعيد، بل كان متهوِّرًا كأبيه، قليل العقل والدين، فبدأ حكمه بقتل أخويه ملكشاه ومباركشاه لكي يستقر له الأمر [2] ! ثم إنه كان ضعيفًا جبانًا فبدأ عهده بالتأكيد على دفع الجزية لروجر الأنطاكي ليضمن حمايته، ويأمن شرَّه [3] .

لكن حدث في بداية عهده أمر يثبت أن الخير ما زال موجودًا في أهل حلب، حيث قام الحلبيون بثورة على الباطنيَّة الذين كانوا قد بلغوا شأوًا عظيمًا في عهد رضوان، فقتل الشعبُ قائدَ الباطنية أبا طاهر الصائغ، ثم انطلقوا على عموم الباطنية بالقتل والحبس، ومن ثَمَّ أسرع بقية الباطنية بالفرار من حلب [4] ، وعلى الرغم من تمرسهم على الجريمة إلا أنهم خشوا من هذا الشعب العجيب الذي لم تمُتْ فيه النخوة، ولم يهجر السُّنَّة، حتى بعد حكمه عشرين سنة حكمًا يغلب عليه تمامًا

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 151، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 167.

(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 169.

(4) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 169،168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت