الصفحة 232 من 390

التوجُّه الشيعي الإسماعيلي، ولعل هذا الحدث كان من الأمور التي مهَّدت إلى تحسين طبيعة الشعب في حلب في السنوات القادمة، مما سيكون له أثر في حركة الجهاد.

ولكن من الجدير بالذكر أيضًا أن ألب أرسلان هذا لم يستمتع كثيرًا بحكمه؛ فقد قتله أتابكه بدر الدين لؤلؤ، ووضع على كرسيِّ الحكم أخاه الصغير سلطان شاه، وكان يبلغ من العمر ست سنوات فقط، ومن ثَمَّ أصبح بدر الدين لؤلؤ الحاكم الفعليّ لإمارة حلب [1] ، وهذا - لا شك - أضعف موقفها أكثر وأكثر، وكل هذا سيكون له أثرٌ في الأحداث القادمة.

الوقفة السادسة: مع إيلغازي

إيلغازي بن أرتق رجل عجيب!

وما أكثر الرجال العجيبين في هذا الزمن!

إنه إيلغازي أمير ماردين، وأخو سقمان بن أرتق - رحمه الله - الذي مرَّ بنا موته وهو في سبيل الله.

ووجهُ العجب في حياته أننا رأيناه في حالات متناقضة كثيرة، جعلت تحليل شخصيته أمرًا صعبًا، ولقد وقفت كثيرًا أمام شخصيته متحيِّرًا، فلا أدري أهو من أهل الصلاح فيُمدح، أم من أهل الفساد فيُذم!

إننا قد رأيناه يتعاون في فترة من حياته مع مودود رحمه الله في قتال الصليبيين، ثم رأيناه يُغِير على إخوانه بغية أخذ ما معهم من غنائم! ورأيناه في فترة من فترات حياته يتحالف مع الصليبيين ليقاتل برسق بن برسق أمير همذان كما مرَّ بنا [2] ، ثم سنراه بعد ذلك يجاهد الصليبيين جهادًا عظيمًا، بل وينتصر حتى يلفت الأنظار إليه.

إننا ذكرناه هنا لأنه سيكون من القلائل الذين يحملون راية الجهاد ضد الصليبيين بعد مودود رحمه الله، إلى أن يتسلمها لاحقًا أحد عمالقة الجهاد في التاريخ الإسلامي، كما سنعرف لاحقًا.

الوقفة السابعة: مع مملكة بيت المقدس

لقد كان مقتل مودود بالنسبة لهذه الإمارة إشارة بدءٍ لتوسع كبير في الأراضي الإسلامية، فكما رأينا أن موت مودود لم يُزِحْ عملاقًا من عمالقة الجهاد من أمام بلدوين الأول فقط، إنما أخضع كذلك طغتكين أمير دمشق، ومن ثَمَّ زال خطره إلى حدٍّ كبير؛ مما دفع بلدوين إلى التفكير في تثبيت ملكه بصورة أكبر، بل وتوسيعه كما سنرى.

(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 173،172، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص190.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت